حين تحدث بنيامين نتنياهو عن العمل على بلورة محور إقليمي جديد لمواجهة محورين "سني متشكل" و"شيعي منهار"، لم يكن يكتفي بوصف مشهد إقليمي مضطرب، بل كان يقدم تصورًا لواقع يسعى إلى صناعته وفرضه. فهو لا يتكلم بصفته رئيس حكومة فحسب، بل بوصفه معبّرًا عن مرحلة جديدة في المشروع الصهيوني، مرحلة تستهدف إعادة هندسة الإقليم سياسيًا وأمنيًا وأيديولوجيًا. ويتقاطع خطابه مع مرجعيات توراتية وتلمودية تضفي على هذا الطموح السياسي بُعدًا عقائديًا يتجاوز الحسابات البراغماتية التقليدية. بذلك، لم تعد عبارة "تغيير وجه الشرق الأوسط" مجرد شعار إعلامي، بل أصبحت عنوانًا لعملية إعادة ترتيب شاملة تتعلق بمن يقود المنطقة، وعلى أي أسس تُبنى توازناتها الجديدة.
ما يُعرف بـ"المحور الشيعي" هو توصيف سياسي أُطلق على شبكة النفوذ الإقليمي التي تقودها إيران، وتضم قوى حليفة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، وقد ارتكز خطابها إلى معادلة "المقاومة" أو ما سُمي بـ"محور الممانعة" في مواجهة إسرائيل والوجود الأمريكي. إلا أن هذا المحور واجه خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الضغوط المتراكمة، من استنزاف عسكري في أكثر من ساحة، وعقوبات اقتصادية خانقة، وأزمات داخلية متفاقمة، وتحولات إقليمية قلصت هامش حركته وأضعفت قدرته على المبادرة.
في هذا السياق يندرج توصيف نتنياهو له بـ"المنهار"، ليس بوصفه توصيفًا موضوعيًا فحسب، بل كجزء من معركة سرديات تهدف إلى تثبيت فكرة أن الخطر الإيراني المباشر في طور الانحسار، وأن المنطقة تدخل مرحلة "ما بعد إيران" سياسيًا وأمنيًا. ويتعزز هذا الخطاب بزخم إعلامي متصاعد يتحدث عن احتمالات ضرب إيران أو شل قدراتها أو حتى تغيير نظامها، بما يوحي وكأن إعادة ترتيب الإقليم باتت مسألة وقت، وأن نتائج المواجهة محسومة سلفًا في ميزان القوة.
في المقابل، لا يشير الحديث عن "محور سني متشكل" إلى اصطفاف مذهبي صرف، بقدر ما يعكس تقاربًا آخذًا في التبلور بين قوى إقليمية كبرى في العالم الإسلامي، مثل تركيا والسعودية ومصر، مع حضور باكستان بوصفها عنصر ردع استراتيجي. هذا التقارب، إن تكرس في صيغة مؤسسية واضحة، يقوم على تكامل عسكري واقتصادي وسياسي قد يعيد رسم ميزان القوى في المنطقة ويحد من قدرة إسرائيل على فرض شروطها منفردة أو احتكار معادلات الأمن الإقليمي.
ولذلك يبدو سعي بنيامين نتنياهو إلى بلورة محور مضاد محاولة استباقية لتطويق أي تكتل إسلامي قادر على إنتاج توازن جديد. فالمحور الذي يتحدث عنه لا يقوم على قاعدة مذهبية، بل على شبكة شراكات تمتد إلى الهند واليونان وقبرص، مع انفتاح على بعض الدول العربية والأفريقية والآسيوية، في إطار تحالف جيوسياسي–اقتصادي أوسع. الهدف ليس فقط مواجهة محور قائم، بل منع تشكل محور إقليمي مستقل قد يغيّر قواعد اللعبة، عبر إحاطة المنطقة بسلسلة تحالفات عابرة للهويات التقليدية، تُدمج فيها إسرائيل باعتبارها عقدة مركزية في منظومة الأمن والممرات التجارية والطاقة.
هنا تعود إلى الواجهة ما يشبه "عقيدة المحيط" بصيغتها المعاصرة، أي تطويق المنطقة بسلسلة من التحالفات الموازية، وتوظيف الانقسامات الداخلية، واعتماد منطق الردع الاستباقي للحفاظ على اختلال ميزان القوى لصالح إسرائيل. غير أن هذه الاستراتيجية لا تتحرك في فراغ، ولا تُدار من تل أبيب وحدها، بل تتقاطع مع رؤية أمريكية أوسع تعتبر إعادة هندسة التوازنات الإقليمية جزءًا من مشروع عالمي يهدف إلى احتواء الخصوم الدوليين، وتأمين طرق الطاقة، وربط الممرات التجارية الجديدة بشبكة نفوذ تخدم المصالح الغربية.
ويتجلى هذا التلاقي بوضوح في تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي عن "حق توراتي" لإسرائيل في أجزاء واسعة من المنطقة، وهو تصريح لم يكن زلة لسان دبلوماسية، بل انعكاسًا لخطاب عقائدي متجذر في التيار الإنجيلي الداعم لإسرائيل. استدعاء "الحق التوراتي" إلى ساحة الجغرافيا السياسية يكشف أن إعادة التشكيل الجارية لا تقوم فقط على حسابات أمنية واقتصادية، بل تتغذى أيضًا من تصورات دينية تمنح المشروع السياسي شرعية رمزية عميقة، وتُضفي على التحالفات طابعًا يتجاوز حدود البراغماتية التقليدية.
في هذا السياق، جاءت عملية السابع من أكتوبر 2023، "طوفان الأقصى"، كحدث زلزالي لم يكتف بكسر معادلات قائمة، بل سرّع حركة التاريخ نفسها، ودفع المنطقة من مرحلة التجميد البارد إلى لحظة انكشاف حاد. فقد حركت مسارًا كان يتجه نحو التطبيع الهادئ تحت عنوان الاستقرار الاقتصادي، وأعادت فلسطين إلى مركز المشهد بعد سنوات من محاولات تهميشها أو تجاوزها. كما أسقطت افتراض أن الصراع يمكن القفز فوقه عبر الممرات التجارية والتحالفات الأمنية، وكشفت أن ما يُسمّى بـ"الشرق الأوسط الجديد" لا يقوم على إنهاء الصراع، بل على إدارته وضبطه، وتحييد القوى التي ترفض الاندماج في معادلته.
ومن هنا يبرز سؤال العلاقة بين السياسة والدين في هذه المرحلة الحساسة. فبينما يُضيَّق على تيارات إسلامية تُصنف ضمن خطاب المقاومة، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، ويُطرح في بعض الأوساط الأميركية تصنيفها "تنظيمًا إرهابيًا" في دول مثل مصر والأردن ولبنان، يجري في المقابل احتضان خطاب "السلام الإبراهيمي" وبعض الطرق الصوفية والتيارات الدينية القريبة من دوائر الحكم. فالمشهد لا يبدو إجراءً قانونيًا معزولًا، بل جزءًا من عملية أوسع يُعاد فيها تعريف "التهديد" بما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية لإعادة ترتيب الإقليم، حيث يُقبل إسلام يتكيّف مع هندسة التحالفات الجديدة، ويُرفض إسلام يربط العقيدة بالتحرر ويضع فلسطين في قلب أولوياته.
في المحصلة، يكشف هذا المشهد عن محاولة متكاملة لإعادة صياغة المنطقة سياسيًا وأمنيًا وأيديولوجيًا، عبر تفكيك المحاور القديمة، ومنع تشكل توازنات جديدة قد تحد من الهيمنة الإسرائيلية–الأميركية، وإعادة تعريف مفاهيم "الاستقرار" و"التهديد" و"الاعتدال" بما يخدم هندسة إقليمية تتقدم فيها الممرات الاقتصادية والتحالفات الأمنية على أي حساب أخر. غير أن "طوفان الأقصى" سرّع حركة التاريخ وأعاد فلسطين إلى مركز المعادلة، كاشفًا حدود أي مشروع يسعى إلى إدارة الصراع بدل حله، أو إلى تغيير شكل المنطقة من فوق دون معالجة جذور أزمتها.
لذلك يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة هذه الرؤية على فرض واقع دائم في منطقة تختلط فيها الانتماءات الوطنية بالدينية، وتتداخل فيها السياسة بالعقيدة، ويظل فيها جوهر الصراع قائمًا مهما تغيّرت العناوين والتحالفات. فإعادة رسم الخرائط لا تعني بالضرورة تغيير الحقائق الراسخة، ولا يمكن لأي هندسة إقليمية أن تتجاوز قضية ما زالت حاضرة في وعي شعوب المنطقة ووجدانها.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency