الغضب والرجولة الزائفة طريق إلى الجريمة
في السنوات الثلاث الأخيرة، حضرت أكثر من عشر مراسيم صلح عشائري، جاءت جميعها نتيجة جرائم مؤلمة وقعت بين أبناء المجتمع الواحد. وفي كل مرة، كنت أراقب المشهد ذاته يتكرر: أشخاص كانوا قبل أيام أو أسابيع أعداءً يتبادلون الاتهامات، يقفون اليوم وجهاً لوجه، يصافح بعضهم بعضا بحرارة، بل ويعانق أحدهم الآخر وسط أجواء من الايجابية والهدوء والقبول والتسامح.
في تلك اللحظات، يراودني سؤال عميق ومؤلم: أليس من الأفضل أن تسود هذه الروح الإيجابية منذ بداية الخلاف أو عند حدوث المشكلة ؟ أليس من الأجدر أن تُحل الخلافات بالحوار والعقل والحكمة، بدل أن تصل إلى حد الجريمة، بما تحمله من خسائر فادحة في الأرواح والعلاقات والنسيج الاجتماعي والمعاناة ؟
إن ما نشهده ليس مجرد خلافات عابرة، بل هو نتاج ثقافة مشوّهة تربط الرجولة بالغضب والانفعال والانتقام. هذه "الرجولة الزائفة" تدفع البعض إلى إثبات أنفسهم بالقوة والعنف وارتكاب الجرائم ، وكأن ضبط النفس ضعف، والتسامح تنازل. بينما الحقيقة أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على التحكم بالغضب، وفي اختيار طريق الحوار والعقل بدل طريق العنف الدمي.
ومن خلال تجربتي، لاحظت أن معظم هذه الجرائم ومراسيم الصلح العشائري تحدث داخل المجتمع المسلم تحديدا، رغم أن المسلمين والمسيحيين يعيشون في نفس البلد، ويشاركون الظروف الاقتصادية والاجتماعية ذاتها. وهذا يدفعنا إلى التساؤل: لماذا لا نسمع عن نفس ظواهر العنف وارتكاب جرائم ذاتها في المجتمع المسيحي؟
هل السبب يعود إلى اختلاف في الجينات؟ بالتأكيد لا. فهذه فرضية مرفوضة علميا ومنطقيا. الإنسان تصاغ وتتكون شخصيته بالتربية والبيئة والثقافة، لا بالجينات وحدها. لذلك، فإن التفسير الأقرب للواقع يكمن في أساليب التربية والقيم التي تُغرس في نفوس الأبناء منذ الصغر.
إن التربية الإيجابية، القائمة على الحوار، واحترام الآخر، وضبط النفس، وتعزيز المسؤولية الفردية، تلعب دورا حاسما في تشكيل سلوك الإنسان. وعندما تُربّى الأجيال على أن الكرامة لا تعني الانتقام، وأن القوة لا تعني العنف، فإننا سنرى مجتمعا أكثر تماسكا وأقل ميلا للجريمة.
ومن زاوية أخرى، نلاحظ أيضا أن مظاهر الفساد واستغلال المنصب العام تبدو أقل ظهورا في بعض المجتمعات، وهو ما يعزز الفكرة ذاتها: التربية والقيم هي الأساس. عندما ينشأ الإنسان على الأمانة والنزاهة، يرى في المنصب مسؤولية لا فرصة للنهب، المال العام أمانة لا غنيمة.
إن مسؤولية التغيير تقع على عاتق الجميع: الأسرة، المدرسة، القيادات الدينية، والمؤسسات المجتمعية. نحن بحاجة إلى إعادة تعريف مفاهيم الرجولة، وإلى ترسيخ ثقافة الحوار بدل العنف، والتسامح بدل الانتقام.
إن المشهد الذي نراه في نهاية العداوة والخصومة من المصافحة والعناق والتسامح
أثناء مراسيم الصلح , لو كانت هذة في بداية الخلاف لما ارتكبت الجريمة ولن يكون خسائر بالأرواح وعندها لن تكون حاجة لصلح عشائري ,
الدكتور صالح نجيدات
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency