الأخبار العاجلة

Loading...

الحل لا يكمن في التهجير ولكن في الاستقلال وكنس الاحتلال...

الحل لا يكمن في التهجير ولكن في الاستقلال وكنس الاحتلال...

بقلم إبراهيم عبدالله صرصور – الرئيس السابق للحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني

بلغ الاستهتار والاحتقار الغربي عموما والامريكي خصوصا للعرب أنظمة وشعوبا ذروةً جديدةً بخروج ترامب بنظريته الجديدة القديمة حول تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة الى اندونيسيا مرة، وإلى الأردن ومصر مرة أخرى! الأعجب من ذلك كله، ان الدافع وراء مؤامرة ترامب التي يصر عليها حاليا بالرغم من الموقف الأردني والمصري الرافض بشكل قاطع لهذا الطرح، هو "شفقته" – كما يدعي كذبا وزورا  - على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ورغبته في ان يهيئ لهم ظروفا أفضل للبدء في حياة جديدة، ولكن خارج الوطن وليس داخله!!!!!

فبدل ان يضخ المليارات ويحض المجتمع الدولي على تجنيد مليارات أخرى من أجل بناء قطاع غزة من جديد من أجل حياة أفضل لمليونين ونصف المليون من اهل غزة في ارض وطنهم الذي لا وطن لهم سواه، رأى عقله المريض ان الحل يكمن في صناعة نكبة فلسطينية جديدة تُضاف الى سابقتها عام 1948م!!! يعني ذلك، ان ترامب يريد ان يحقق بالسياسة ما لم تستطع الآلة العسكرية الإسرائيلية – الامريكية - الغربية القاتلة ان تحققه من خلال حرب إبادة شنتها إسرائيل بدعم أمريكي وغربي على القطاع لنحو عام ونصف! كل ذلك إرضاء لحكومة نتنياهو – سموتريتش – بن غفير الأكثر تطرفا ويمينية ودموية في تاريخ إسرائيل، والأكثر رفضا لأي حلول سلمية لمسألة الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، ترتكز الى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

ما الذي يدعو الإدارات الامريكية والغربية الى الذهاب بعيدا في الايغال في نفق الانحياز الاعمى للصهيونية العالمية وإسرائيل مهما ارتكبت من الجرائم وانتهت من العهود والمواثيق، متجاهلين قرارات المحاكم الدولية ومقررات الشرعية الأممية التي تدين كلها السياسات الإسرائيلية وتعبرها باطلة ابتداء؟!! أيُعقل ان يكون ذلك كله من أجل "عيون" نتيناهو وزوجته سارة، أم ان الأمر أعمق من ذلك بكثير؟!!

اعتقد ان الذي جرأ ترامب وحلفاءه من قادة الغرب على تبني هذه السياسة الموغلة في احتقار الأنظمة العربية والوقوف وراء اسرائيل بلا قيد ولا شرط، هو حالة الموت السريري التي يعاني منها النظام العربي اجمالا الا النادر منه.. تغيير هذا الواقع العاجز هو الخطوة الأولى نحو استعادة مكانة الامة ومكانها تحت الشمس، واسترداد كرامتها الوطنية وقرارها المستقل، تمهيدا للعب دور مركزي في صناعة السياسات الدولية بما يتوافق مع مصالحنا الوطنية العليا كأمة عربية وإسلامية عاشت سيدة العالم لقرون طويلة... 

(1)

المتابع لأوضاع النظام العربي الرسمي على ضوء حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة وعلى الضفة الغربية المحتلة وإن بوتيرة أقل لكنها ليست بأٌقل خطورة، سيصل الى النتيجة انه كلما زاد العرب في "انبطاحهم" أمام أمريكا، زادت أمريكا في "انبطاحها" أمام إسرائيل، وكلما تشدد العرب في تعاملهم مع أمريكا، تحررت من قبضة إسرائيل، وبدأت تحسب حسابا لعلاقتها مع العالم العربي والإسلامي حمايةً لمصالحها العليا في المنطقة العربية والتي لا يمكن ان تكون لدى إسرائيل التي تعيش عالة على دافع الضرائب الأمريكي منذ قيامها عام 1948 وحتى الآن...

ذكرني الواقع المذهل لواقع هذه الأنظمة العربية التعيس ما كشفه الصحفي الاستقصائي الامريكي بوب ودورد في كتاب "الحرب" الصادر مؤخرا، والذي يكشف خفايا هذا التواطؤ العربي ضد قضايا الأمة الوطنية والقومية الكبرى، وخدمات أنظمتها الكبيرة للإدارات الأمريكية المتعاقبة المنحازة لإسرائيل، وكأنها نسخة جديدة ل- (ملوك الطوائف) الغابرة التي مهدت لسقوط الأندلس، وتوشك اليوم أن تسقط غزة العزة تمهيدا لسقوط القدس قلب القضايا العربية والإسلامية وإلى الأبد، بعد أن أعلنت (خيبِتْها) من خلال ما قدمته من خطة الاستسلام التي أسمتها (مبادرة السلام العربية).

بسبب هذا الوضع العربي المتردي، خرج علينا الرئيس الامريكي الجديد (ترامب) ليبدأ مزاده العلني لابتزاز الأنظمة العربية وعلى رأسها النظام في المملكة العربية السعودية، وليصدر رسميا (رخصة الدفن) لدوره كوسيط نزيه في عملية سلام الشرق الأوسط، من خلال اتصالاته بالرئيس المصري والعاهل الأردني مطالبا بالعمل على استيعاب نحوا من مليون فلسطيني يريد تهجيرهم من قطاع غزة واستيعابهم في الأردن ومصر رغبة منه في "التخفيف!!!!!!" من الوضع المأساوي للشعب الفلسطيني في غزة بعد الدمار الشامل التي تسبب به رحب الإبادة التي شنتها إسرائيل ضد قطاع غزة على مدار الست عشر شهرا الماضية!

(2)

الغريب في ان الرؤية الغربية - الامريكية للتخفيف من مأساة الشعب الفلسطيني، لا بد ان تكون متوافقة مع الرؤية اليهودية - الصهيونية المتطرفة التي تسعى حكومة نتنياهو – سموتريتش – بن غفير الى تحقيقها منذ اليوم الأول لحرب الإبادة على قطاع غزة، تهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة ومن كل فلسطين التاريخية تمهيدا لإعلان ميلاد "إسرائيل الكبرى" حسبما يتصورها اليمين الصهيوني "الميسياني"... وهنا لا بد من طرح السؤال المنطقي: لماذا يرى ترامب وطاقم حكومته الصهيوني ان الحل لمأساة  الشعب الفلسطيني لا تكون الا من خلال تهجيره، مع ان المنطق يقتضي ان يكون الحل في تطبيق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين (قرار 194)، وانهاء الاحتلال الإسرائيلي وانسحابه من كامل الأراضي المحتلة عام 1967 (قرار 242 و 338)، ومساعدة الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة وعاصتها القدس الشريف، حتى تكون من الدول العصرية والحديثة؟!... ماذا لو اقترحنا على ترامب ان يجد له في بعض الولايات المتحدة الامريكية ال – 51 مكانا لمليونين او ثلاثة ملايين يهودي من سكان دولة إسرائيل حتى يتسنى لمليونين او ثلاثة ملايين لاجئ فلسطيني العودة الى ارض الوطن التي هُجِّروا منها قسرا منذ النكبة الفلسطينية عام 1948م؟!...  

ما آمنتُ يوما أن شيئا ما تحت الشمس سيتغير بدخول رئيس امريكي ديموقراطي او جمهوري الى البيت الابيض، في اتجاه ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل لتحقيق تقدم في اتجاه (سلام شامل وعادل ودائم !!!) في منطقة الشرق الأوسط.. فعملية السلام ماتت منذ زمن طويل ، وما مبادرة السلام العربية إلا الكفن الذي لُفَّتْ به حتى لا ترى الشعوب العربية مدى التشوه الذي أصابها بسبب الاحتلال الإسرائيلي والتواطؤ الغربي-الأمريكي-العربي معه... لقد جاءت المبادرة العربية إياها في حينه لتنقذ شيئا من ماء الوجه العربي، إلا أن الرؤساء الامريكيين مزقوا الكفن/المبادرة العربية، وكشفوا عن حقيقتهم التي لم تَخْفَ على عقلاء وشرفاء الأمة، (وَبَصَقَوا) مباشرة في وجه النظام العربي الرسمي خادمهم المطيع ، الذي أوغل في خدمته لأمريكا وإسرائيل من خلال مشروعات قديمة كاقتراحاته ضرب إيران عسكريا ، أو المطالبة بتشكيل قوة عربية ضاربة بدعم أمريكي للقضاء على حزب الله في لبنان في العام 2006 ، أو بالتنسيق مع إسرائيل للقضاء على حماس في قطاع غزة أثناء حرب (الرصاص المذاب) عام 2008/2009، و (عمود الغمام) في العام 2012 ، وفي حرب (الجرف الصامد) في العام 2014، وأخيرا في حرب الإبادة الحالية، والتي كشفت كلها طبيعة هذا التحالف العربي- الصهيو- امريكي في الشرق الأوسط لضرب القوى الحيَّة التي تريد أن تعيد للأمة كرامتها وهيبتها وعزتها ومكانتها المرموقة بين أمم الأرض وشعوبها ..

جاء هذا الوقف الأمريكي للرؤساء الأمريكيين متوقعا بل وحتميا في ظل انهيار النظام العربي الرسمي، وخنوع الشعوب العربية – الا من رحم الله - بدعوى حكمها بالحديد والنار... يبقى السؤال: ماذا بقي للعرب بعد الآن، وكيف سيكون تصرفهم بعد اليوم؟؟؟!!!

(3)

أصبح واضحا انه ومن خلال طبيعة العلاقة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو والرؤساء الأمريكيين وخصوصا الرئيس ترامب، أَلا أمل في التوصل إلى حل يضع الأمور في نصابها ويعيد الحقوق إلى أهلها، ونعني بها طبعا حقوق الشعب الفلسطيني والأمة العربية... يبعث الرؤساء الامريكيون رسالة واضحة لكل من يريد ان يسمع: لا مكان في هذا العالم الا للقوي، بغض النظر عما يرتكبه من جرائم او انتهاكات للقانون الدولي الذي ما عاد يمتلك قوة الدفاع عن نفسه الا في مواجهة الضعفاء، أما الاقوياء فعنده من قابلية التلون والالتواء ما يؤهله ان يكون جزءا من ظلمهم وجرائمهم... ما يحدث في قطاع غزة أصدق شاهد على ما أقول ... أما الضعفاء فلا تكفي أن تكون قضيتهم عادلة بلا نزاع حتى يضمنوا لأنفسهم مكانا تحت الشمس.. لا بد لهم من قوة تحمي عدالة قضيتهم من جهة، وتضمن لأنفسهم مكانا بين الكبار ....

لقد فهمت المقاومة الفلسطينية هذا المنطق منذ امد بعيد، كما فهمته قوى التغيير في عالمنا العربي التي ترى في النظام العربي الرسمي العقبة الكؤود في طريق النهضة واحتلال الأمة لموقع مرموق بين الأقوياء، ولذلك لم نستغرب وقوف هذا التحالف العربي – الصهيو - امريكي ضدها على امتداد الوطن العربي ...

توهم بعضنا أن سياسة جديدة أكثر توازنا وعدلا يمكن أن تتولد بسبب موجات التوتر التي تعتري العلاقة بين الرجلين (نتنياهو من جهة وبايدن سابقا وترامب حاليا من جهة اخرى)، أو أن عهدا مختلفا سيبدأ توضع الأمور من خلاله ولأول مرة في نصابها، وسيعلم نتنياهو أن أيام (الدلال!!!) قد انتهت... لقد توهمنا ذلك لقلة عقولنا وسذاجتنا، وسرعان ما (ذاب الثلج وبان المرج) كما نقول في أمثلتنا العامية. لا ننكر مطلقا أن أزمات طفت على السطح في العلاقة بين الإدارات الأمريكية الديموقراطية خصوصا وبين حكومة نتنياهو، لكننا شككنا دائما بمدى ما يمكن أن يشكله ذلك من ضغوط أمريكية جادة تغير المشهد الشرق أوسطي لمصلحة ما تسميه الأدبيات السياسية (بالمصالحة التاريخية !!!)... كانت شكوكنا حول هذه المسألة كبيرة جدا، بحيث لا تستطيع أن تمحو من ذاكرة كل عربي أو فلسطيني انحياز أمريكا غير المحدود والمنهجي لإسرائيل، ودعمها لها بالمال والسلاح، وحمايتها بالفيتو من أن تصل إليها يد العدالة الدولية، بغض النظر عما ترتكبه من جرائم ضد الإنسانية، وما تنفذه من انتهاكات يومية للقانون والشرعية الدولية ...

(4)

من الواضح ان الإدارات الامريكية تجهل أو تتجاهل عن عمد وسبق إصرار – وهو ما نميل إليه - للفارق الهائل بين حالة التعاطف التي حظي بها اليهود يوم كانوا مضطهدين في العهد النازي، وهو ما نشاركهم فيه كعرب وكمسلمين كان لنا دورنا في حماية اليهود على مدار التاريخ الطويل، وبين حقيقة أن اليهود اليوم وبعد إقامة إسرائيل على انقاض فلسطين وطنا وشعبا ومقدسات، انتقلوا من دور الضحية إلى دور الجلاد الذي يمارس الجريمة الرسمية المنظمة كجزء لا يتجزأ من بنيته التحتية الفكرية التي ترتكز الى: أولا -  شيطنة الشعب الفلسطيني، ثانيا - ادعائها دور الضحية رغم ما ترتكبه من جرائم في حق الإنسانية (حرب الإبادة على قطاع غزة كنموذج)، ثالثا – ادعائها الزائف بانها تمثل "شعب الله المختار" الذي يستطيع ان يفعل ما يشاء ولا حق لأحد في الوجود ان يحاسبه على اعتباره مختارا من الرب، وهو وحده صاحب الولاية عليه!!!!!!...

ما زال الغرب والولايات المتحدة يتعاملون مع إسرائيل - القوة العسكرية الأقوى في الشرق الأوسط، والرابعة على مستوى العالم ، والمحتلة لأراضي الغير بالقوة المسلحة ، والمنفذة للجرائم اليومية ضد الفلسطينيين ، والساعية إلى تهويد كل شيء بما في ذلك القدس والمسجد الأقصى المبارك ، وفرض سياسة الأمر الواقع عبر نشر طاعون الاستيطان على أوسع نطاق - ما زالوا يتعاملون معها رغم التغيير الجذري وانقلاب الصورة المتعلقة بأوضاع اليهود ، كما لو أن الزمن ظل متجمدا عند أعتاب الفترة النازية في أربعينات القرن الماضي ، وكما لو أننا لا نعيش في العام 2025 من القرن الواحد والعشرين ، والتي ترتكب فيها إسرائيل اليوم محرقة ضد شعبنا الفلسطيني في غزة تستهدف المدنيين أساسا من رجال ونساء واطفال ، وتستهدف الحياة المدنية بكل صورها من مدارس ومساجد ومستشفيات ومؤسسات خدمية وبنى تحتية ، بعد فشلها الذريع في حسم المعركة مع المقاومة الفلسطينية ...

لقد أفسد الدلال الأمريكي والأوروبي إسرائيل، فما عادت تفرق بين عدو وصديق ... الصديق عندها من أيَّدَها بلا تحفظ أو تردد وإن كانت على باطل محض، حتى وإن كان عدو الأمس، والعدو من اعترض عليها وخرج عن طوعها وإرادتها، وإن كان على الصدق المحض، حتى لو كان حليفها الأكبر الذي بدونه تصبح كريشة في مهب الريح، ومن غير دعمه تصبح في لمح البصر نسيا منسيا، وأثرا بعد عين ...

هذه هي إسرائيل بكل حكوماتها التي تجاهلت الإدارات الامريكية حقيقتها الصارخة، حتى إذا ما انقلب السحر على الساحر، أصيبت الإدارات الامريكية بالذهول المُقْعِدِ وفقدان التوازن، فبدل ان تعيد النظر في سياساتها المنحازة الى حد العمى للحكومات الإسرائيلية الامر الذي جعل الولايات المتحدة الدولة الأكثر بُغضا في بلاد العرب والمسلمين حسب دراسات دولية كثيرة، بدل ان تفعل ذلك، مضت في دعهما لإسرائيل الى حَدٍّ بدأ معه الكثيرون يعتقدون ان أمريكا أصبحت مجرد ولاية إسرائيلية لا أكثر ...

(5)

الحقيقة أنني لا اتوقع شيئا من أنظمة العرب الرسمية على ضوء الموقف العربي والإسلامي العاجز أمام حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة المستمرة من 16 شهرا... فهل ستجري الشعوب وقواها المبادِرة تقييما جريئا للأوضاع بما يتناسب وهذا التطور الخطير، من اجل لعب دور أكثر فاعلية لخدمة قضايا الأمة عموما والقضية الأم وهي القضية الفلسطينية والقدس الشريف خصوصا ؟؟؟!!!... وهل ستجد هذه الشعوب طريقة لإقناع انظمتها الرسمية بأن استمرار هذا الحال من المُحال، وهل ستضع جدولا زمنيا محددا لمراحل التغيير المتوقعة تمهيدا لاستنقاذ الأوطان والشعوب والمقدسات؟؟!! هذه الأسئلة وغيرها نتركها للمستقبل لعله يجيب عليها بما يحقق الأماني ويشفي الصدور ...

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة