الأخبار العاجلة

Loading...

ليلة باردة... قصة

ناجي ظاهر
نُشر: 05/02/25 10:26

عاد الزوجان ابو رهان من عيادة الطبيب المتخصص بالعظام، في مدينة حيفا، الى بيتهما في احد ازقة الناصرة القديمة. كان العجوز ابو رهان يتوكأ على كتف زوجته العجوز ام رهان. شرع الاثنان في صعود الدرجات السبع العتيقة الموصلة الى بيتهما. توقف ابو رهان عن الصعود في الدرجة الخامسة، فطلبت منه ام رهان ان يصبر قليلا.. اصبر يا رجل اصبر.. عارفك قويا. قالت، فرد عليها لا احد قوي على المرض. اخشى ان يكون ما قاله الدكتور صحيحا. عادت الزوجة المنهكة تقول لا اعتقد ان ما قاله صحيح. انت قوي ولا يمكن ان تعجز عن المشي على قدميك خلال فترة قصيرة. استنشق ابو رهان نفسا عميقا. وهمّ بمواصلة الصعود متكئا على كتف زوجته، الا انه شعر بخدر يسري في قدميه. لا استطيع المواصلة قال. اصبر يا زلمة. ما تبقى من درجات اقل مما مضى.. الان سنصل وسوف ترتاح. فكر ابو رهان فيما استمع اليه من الطبيب. هو لم يكن يتصور ولا في اشد كوابيسه الكثيرة ان يضحي عاجزا على المشي..

الم يطلق عليه اصدقاؤه وابناء حارته لقب ابو سبع اجرين؟.. ان شالله بكون ما قاله الطبيب مجرد وهم ينتهي ويعود ابو رهان القديم ليذرع الازقة والحارات المجاورة مواصلا متعته في الحياة.. طولا وعرضا.
اخيرا دخل الزوجان الغرفة. ليتواصل بينهم حديث الخوف والقلق.. منذ فترة عاد ابو رهان من جولته الصباحية اليومية في الحارة القديمة، وشكا من الم في رجليه. يومها ابتسمت ام رهان وهي تربت على كتفه لا تخف.. يبدو انه الم عادي.. خفيف ويمضي. ارتاح الزوج لكلمات زوجته الطيبة.. ابتسم.. ولم يعلق.. غير ان ما كشفت عنه الليلة التالية، اظهر ان ما الم برجليه من الم لم يكن لعبة اولاد وانما هو الم جدي. بعد يومين لم يعد بإمكانه المشي الا بصعوبة. الامر الذي دفع ام رهان للتوجه برفقته الى مستشفى البلد. هناك حقنه الدكتور بحقنة خاصة. اراحته قليلا الا ان الوجع ما لبث..

في اليوم التالي.. ان سرى في قدميه. عندها عاد الزوجان الى المستشفى.. ليفاجآ بقول الطبيب المداوي لهما.. لقد فعلت كل ما بإمكاني.. لا اقدر على فعل المزيد. والحل يا دكتور؟ الحل بيدكم. الامر يحتاج للتوجه الى طبيب متخصص في حيفا. وقدّم لهما ورقة كتب عليها اسمه وعنوانه. في الليل اخذ الزوجان يضربان اخماسا بأسداس ويتوقعان ما يمكن ان يحل بعمود البت التاريخي وعندما خطر في بال ابو رهان انه قد يتوقف عن المشي نهائيا هتف لنفسه بصوت مرتفع.. لا. عندما بلغ قوله هذا سمع زوجته رددت دون ارادة منها لا.. لذا ما ان بزغ فجر اليوم التالي حتى حمل الاثنان نفسيهما وانطلقا باتجاه حيفا. قدم الطبيب المتخصص هناك له العلاج الممكن. بعدها حاول تقديم العلاج غير الممكن.. بعد ثلاث او اربع جلسات.. كما تتذكر ام رهان، رفع الطبيب يديه مستسلما.. لقد عجزت.. خلال فترة بسيطة سيكون المشي عسيرا عليك والاغلب ان يتحول الى مستحيل. والحل يا دكتور؟ الحل ان ننتظر معجزة. لقد بذلك كل ما بإمكاني من خبرة وعلاج ولم يعد بمقدرتي تقديم المزيد.. هناك محاولة او محاولتان بعدهما لن يكون بحوزتي تقديم المزيد... فتح كوة الامل هذه دفعت الزوجين العجوزين للعودة الى بيتهما في الناصرة القديمة.. ليصعدا الدرج ترافقهما معاناة حقيقية.. وامل شحيح. 


اتخذ كل منهما موقعه التاريخي القديم. على كنبتين عتيقتين متلاصقتين، ونظر كل منهما الى الاخر.. لا يعرف ماذا يقول له. ما دفع ام رهان الى فتح التلفزيون القديم قبالتها. 
-الدنيا برد.. اريد ان استمع لنشرة الاحوال الجوية. قالت
غرس عينيه في قدميه المتعبتين: لا تغلّب نفسك اعرف هذا البرد انه برد شباط.. الاغلب انها ستمطر.
بعد نطق ابو رهان بكلماته هذه سرى في رجليه وجع غير معهود، فانقبض وجهه.. 
-ما الذي حدث.. خاطبته زوجته.
-يبدو ان فترة جديدة عسيرة في حياتي ابتدأت.. اشعر بوجع فظيع في قدمي. 
افتعلت ام رهان حركة توحي باللامبالاة امام كلمات زوجها المنذرة بشر مستطير.. وقامت من فورها.. نقلت سرير زوجها من غرفة نومهما الى غرفة الاستقبال.. بعدها اعانته على الوصول اليه. استلقى ابو رهان على سريره. فيما احضرت زوجته الماء الساخن ليضع رجليه فيه.. 
-ارتح يا رجل.. ارتح الان..
طفرت دمعة حارقة من عيني الزوج المكلوم:
-كيف سأرتاح وانا اشعر بكل هذا الخطر المقبل؟ 
ارسلت ام رهان نظرة املة الى زوجها طالما افرحته في ايام الشباب والعز:
-لا تقنط من رحمة الله.. لا تقنط.. انه قادر.. يحيي العظام وهي رميم.

ارتاح ابو رهان لكلمات زوجته هذه. اغمض عينيه ضمن محاولة جادة للخلود الى الراحة والنوم.. فيما راحت زوجته تتابع البرامج التلفزيونية واحدا تلو الاخر. عندما هدأ زوجها. استسلمت الى وسن خفيف.. فيما دخل ابو رهان في استراحة المريض. احست الزوجة في اواسط الليل و.. ربما في اواخره.. لا تدري بالضبط.. احست ان زوجها يسعى الى المطبخ. ففرحت غير ان فرحها لم يدم. فقد هوى على الارض. بخفة فرشة.. وراح يزحف على اربعته.. محاولا الوصول الى حنفية الماء. وخيل اليها انه لا يستطيع ان يقف على رجليه، فاسودت الدنيا في عينيها. فتحت عينيها ضمن محاولة للهروب مما هي فيه..

لتفاجأ بان كل ما حصل انما كان كابوسا عابرا. اقتربت من سرير زوجها ورفيق عمرها خلال اكثر من خمسين عاما.. تمعنت في وجهه.. ماذا سيحدث له.. ولها ايضا.. اذا لزم الفراش ولم يعد بإمكانه هو ابو سبع اجرين المشي عليهما.. احست بغصة في حلقها ودمعة في عينها.. لقد ابتدأت فترة صعبة جديدة في حياتها.. وما كان في الامس لن يكون مثله في الغد. جلبت حراما قديما جديدا خبأته منذ كانت عروسا في اول زهوتها.. غطت زوجها به وهي تتمتم.. بكلمات اشبه ما تكون بالتمائم والسحر.. انتابتها موجة من البرد غير معهودة.. فتوجهت الى النافذة لتغلقها.. ارسلت نظرة خاطفة الى حيها القديم.. كان المطر يهمي مدرار.. وعادت الى مقعدها قبالة سرير زوجها لا تلوي على شيء.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة