الأخبار العاجلة
هل يمكننا تجاهل قرار وزارة المعارف الإسرائيلية الذي وجهته إلى مديري ومديرات المدارس العربية، والذي يقضي بمنع إدخال لجان "إفشاء السلام" التي حظرتها إسرائيل الأسبوع الماضي، وعلى رأسها فضيلة الشيخ رائد صلاح؟ أليس من الضروري التوقف عند هذا القرار وتداعياته، وربطه بسلسلة الملاحقات المستمرة التي استهدفت العديد من القيادات والنشطاء المؤثرين على مدار سنوات طويلة، خصوصًا في العقد الأخير وحتى يومنا هذا؟
وهل يمكننا تجاهل العلاقة الواضحة بين هذا القرار وتزايد الجرائم في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل، والتي أصبحت تتميز بالجرائم المركبة والمتعددة في بعض الأحيان؟ في وقت يُعامل فيه المصلحون الذين قدموا الخير لمجتمعهم كتهديدات أو أعداء، ويتم استبعادهم من دائرة التأثير الفعلي التي قد تساهم في إصلاح المجتمع. ويُنظر إلى هؤلاء المصلحين على أنهم تهديد حقيقي لاستمرار الفساد، بينما يُترك هذا الفساد ليتفشى بلا رادع، بل ويُدعم من قبل جهات حكومية وأجهزة استخباراتية.
تطرح هذه التساؤلات وغيرها واقعًا يكشف أن الإجراءات القمعية لا تعد مجرد تصرفات عابرة، بل هي جزء من سياسة شاملة تهدف إلى إقصاء الفاعلين الحقيقيين من دائرة التأثير. هذه الإجراءات تمثل أسلوبًا تقليديًا تتبعه الأنظمة الاستعمارية لفرض سيطرتها على المجتمعات المستعمَرة، حيث تسعى إلى إضعاف أي قوة سياسية قد تبني قاعدة شعبية أو تحقق تأثيرًا حقيقيًا على المجتمع، سواء في المدى القريب أو البعيد. ويُعد إضعاف القوى الفاعلة إحدى الاستراتيجيات الأساسية التي يعتمد عليها الاستعمار لضمان استمرار هيمنته. فالاستعمار لا يقتصر على استخدام القوة العسكرية فحسب، بل يشمل أيضًا الأساليب السياسية والثقافية والاقتصادية التي تهدف إلى تقويض أي محاولة لتشكيل قوة سياسية جماهيرية قد تهدد الوضع القائم بما يتماشى مع مفاهيم وأجندات المستعمر.
من أبرز الأساليب التي تلجأ إليها القوى الاستعمارية هي استخدام القوة العسكرية ضد الحركات السياسية المعارضة أو الفاعلين الاجتماعيين. حيث يتم قمع أي محاولة للتمرد أو الاحتجاج باستخدام الأسلحة، والاعتقالات التعسفية، والتعذيب، وحتى القتل في بعض الحالات. كما تتبع القوى الاستعمارية سياسات قمع سياسي تشمل حل الأحزاب السياسية، وحظر النشاطات الجماهيرية، وتقويض أي محاولة لتشكيل قوة سياسية قد تشكل تهديدًا للهيمنة الاستعمارية. هذه السياسات تنتج بيئة سياسية تساهم في تهميش أي حركة تسعى للتأثير على المجتمع المستعمَر، ما قد يجعل من المستحيل على الفاعلين المحليين ممارسة نشاطاتهم بحرية وفعالية.
لقد عانت العديد من الشعوب حول العالم بسبب تقييد الحركات السياسية المحلية. ففي فلسطين، سعت إسرائيل لتقليص الوجود السياسي الفلسطيني في الأراضي المحتلة منذ عام 1967، من خلال حظر الأحزاب وفرض قيود على الانتخابات، خاصة في القدس المحتلة. وفي جنوب أفريقيا، فرض نظام الأبارتهايد تمييزًا عنصريًا عبر حظر الأحزاب السياسية السوداء وقمع الحركات الاحتجاجية، مما قلص مشاركة السود في الحياة السياسية. وفي الهند، سعى الاستعمار البريطاني إلى تقليص تأثير الحركات السياسية المحلية من خلال فرض قوانين تقييدية واعتقال الزعماء الوطنيين. وفي مصر، فرضت الحكومة الناصرية حظرًا على الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها حركة الإخوان المسلمين، مع رقابة مشددة على الأنشطة المعارضة في ظل حالة الطوارئ.
ورغم ما تحمله حالة الاستعمار من ظلم واضطهاد، فإنه في بعض الأحيان يسمح بوجود قوى لا تملك تأثيرًا حقيقيًا، رغم أنها لا تشارك بفاعلية في صنع القرار. هذه القوى غالبًا ما تكون هامشية في السياسة العامة، وإن ادعت عكس ذلك، ويتم تعزيز وجودها لأغراض تكتيكية أو لضمان استمرارية الوضع القائم بما يتماشى مع مصالح القوة المسيطرة. بذلك، تبقى هذه القوى محصورة في دائرة تأثير ثانوية، بينما القوى المؤثرة الحقيقية تسعى دائمًا لتحقيق التغيير الفعلي في المشهد السياسي. وفي المقابل، تبقى هذه القوى في حالة "تغريد داخل السرب"، بينما القوى الفاعلة تظل في دائرة الضوء، حيث لا تقتصر على دورها السياسي والاجتماعي، بل تسعى باستمرار إلى تحريك الأمور نحو مسار جديد.
وفيما يتعلق بالحديث المتكرر عن "لعبة التأثير" التي تتداولها بعض الأوساط الحزبية في الداخل بشكل مستمر، ورغم أنني لا أفضل الخوض في هذا السجال الانتخابي في الوقت الراهن، إلا أنني أشعر بأن من الضروري الإشارة إلى حقيقة لا بد من ذكرها. وهي أن أحد الأسباب الرئيسية لارتفاع نسبة التصويت في المجتمع اليهودي في الانتخابات الأخيرة (2022) كان ردة فعل على مشاركة العرب في هذه "اللعبة"، وما نجم عن ذلك من تغييرات في موازين القوى الحزبية التي كانت، في السابق، محصورة في الأحزاب اليهودية والصهيونية. فمشاركة قائمة عربية في الائتلاف الحكومي كانت بمثابة "نكش عش الدبابير"، ما أثار حفيظة اليمين الإسرائيلي المتطرف وغيره، مما دفعهم إلى التصويت بكثافة، ليترك تأثيرًا كبيرًا على نتيجة الانتخابات، ويتيح لليمين المتطرف الهيمنة على الوزارات واتخاذ القرارات الحكومية.
ختامًا، إن محاولات تقويض دور الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين في مجتمعنا الفلسطيني في الداخل وضبط إيقاع "المغردين خارج السرب" تعد جزءًا من سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى إضعاف وإقصاء أي صوت مؤثر باستخدام أدوات الترهيب. فـ"المغردون خارج السرب" يمثلون مصدر قلق للأطراف السلطوية، بما يحملونه من أفكار وأفعال مؤثرة، وهو ما يفسر الملاحقات والتضييقات التي تعرضوا لها، والتي وصلت إلى حد منعهم من دخول المدارس العربية، وقد تتصاعد لتشمل إجراءات أكثر قسوة. ورغم هذه السياسات القمعية، يظل الثبات على الموقف والمطالبة بالحقوق مسارًا لا يتراجع، فالحق لا يضيع من يطالب به بعزيمة، مهما كانت التحديات. ومن هنا، فإن مقاومة هذه السياسات بكل الوسائل المشروعة تتطلب شجاعة وإصرارًا، لضمان التغيير الحقيقي الذي يعيد العدالة والكرامة لكل فرد في المجتمع، ويحقق مستقبلًا أفضل يعزز الأمن والاستقرار.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency