الأخبار العاجلة
اطبق علينا نحن الاثنين، صديقي الكاتب الجديد وانا الفنان القديم، اطبق علينا ظلام سجننا وسجاننا من كل جانب وصوب. لم يكن الظلام قد هبط علينا تماما، الا انه احاط بنا.. في مغارتنا المعتمة.. حتى بات من الصعب ان يرى هو قصته وانا لوحتي، فبدونا مثل باحثين عن ابرة في كومة من القش. كنا نبحث عن شعاع نعرف انه عصي على الوجود الا ان الامل كان يدفعنا دفعا لان نواصل البحث، هو مدفوعا بقوة وسائط الاتصال الاجتماعي، وانا مدفوعا بقوة اكثر من خمسين عاما من معاشرة اللون و.. الحلم الجميل لإنطاقه بلغة عصية.. ادركت عمقها اكثر من اي انسان اخر.. وتغلغلت في اعماقها منذ اول انتشار للضوء في سماء مدينتي الكئيبة.. وفي عيني سجاني الغريبة
-اريد ان اخرج من هنا.. لا اطيق هذا الظلام.. لم تعد لدي قدرة اكثر على التحمل. قال لي وهو يبحث عن منفذ للرؤية. فقلت له:
-اصبر.. لا شيء يدوم.. غدا ستبزغ شمس يوم اخر.. تغمر الكون ضياء وبهاء.
-لقد صبرت حتى عيل صبري. قال. فعدت اصبره. قلت له:
-اعرف.. اعرف يا صديقي.. لقد مضى خمسون عاما وانا انتظر اشراقة اللون تملا عالمي.. ورضا سجان لا يحل.. وها انا اواصل.
وشددت قبضتي مؤكدا عزمي على المواصلة.. ممنيًا نفسي بغد افضل وشمس تغمر اشعتها الكون.. بعد اطلاق سرحي من سجني وسجاني.
ارسلت نظرة متفحصة، كانت العتمة تغرس مخالبها في كل مكان وصلت اليه عيناي، ما اثار خفاشا في مغارتنا المعتمة فاندفع يحلق في الاجواء.
قال صديقي الكاتب:
-محظوظ هذا الخفاش.. يحلق في مملكته غير حالم بالضوء مثلنا. واضاف بعد صمت:
-اسمع سأكتب قصة.. فاجرة لعلها تلفت سجاني فيشعر بوجودي.. ويطلق سراحي..
اردت ان اقول له: اكتبها اولا.. بعدها ليكن ما يكون. الا انني صمتت، فقد مرّ علي ما يمر عليه الان ولم ار ما حلمت به من اشعة شمس تحكي مع الارض وكائناتها الصامتة.. ويرضى عنها سجاتي.
لفت ترددي في القول اهتمام صديقي الكاتب، فسألني عن سبب ما اقوله، فنظرت الى البعيد غارسا عيني في قلب الظلام، وحكيت له بطريقة من التشوش، لم يألفها اصدقائي مني، حكيت له كلاما بإمكاني ان الخصه الان وانا اكتب هذه القصة.. بعدد محدد من الكلمات. مفادها انني تمكنت في السنوات الثلاث الاخيرة من تحقيق احلام طالما تمنيت تحقيقها منذ كنت طفلا في الرابعة او الخامسة، فرسمت اكثر من مائة وثلاثين لوحة، تغلغلت فيها الى اعمق اعماق حياتنا بحلوها ومرها.. جميلِ لونِها وقبيحهِ ايضًا.. غير ان سجاني.. تجاهل ما ابدعته مخيلتي.. ولم يطلق سراحي لأرى الشمس. فهل يحق لك انت الكاتب الجديد، ان يخرجك سجّانُك بعد انتاجك عددا محدودا من القصص.. ما زالت اشبه بزغاليل اليمام.. ولم تزل رهينة زغبها ولما ينبت لها ريش.. يمكّنها من التحليق والطيران؟
ما ان قلت كلماتي هذه حتى استوقفني صديقي الكاتب بإشارة من يده:
-الا تلاحظ ان سجاننا اطلق سراح الكثيرين.. دون ان يقدموا مثلما قدمت؟
وغرس عينيه في عيني كمن اكتشف كلاما لم يخطر له من قبل. قال:
-ترى هل يحتاج هذا السجان لرشوة.. انا على استعداد لرشوته.
ضحكت:
-اعتقد ان معظم.. اذا لم يكن كل مَن غادروا سجنهم.. تمكنوا من كسب وده.. عبر رشوة ما..
ضربني على يدي:
-اذا كنت تعرف هذا كله.. لماذا لم تقل لي.. بل لماذا بقيت تعابث الوانك كل هذه المعابثة؟..
امسكت بيده بكل ما لدي من محبة لألواني ولوحاتي:
-لا اريد ان اخرج برشوة.. اريد ان اخرج بجدارة.. وبلوحة تهز قلبي قبل ان تهز قلب سجاني.
انتابته حالة حنان مفاجئة. وضع يده على كتفي مواسيًا:
-الا تعتقد ان هذا السجان يختلف عن ذاك الذي سبقه في زمنك.. قدّم له ما يريده من رشوة.. بعدها اخرج الى العالم ودعه يرى ابداعاتك اللونية الساحرة..
قلت بتصميم:
-لن افعل.. سأواصل في نفس الطريق..
بدا ان كلماتي لم تعجب صديقي الكاتب فقال لي:
-انت غاوي فقر.
وتوجّه الى سجاننا.. لاستمع الى المحادثة التالية بينهما:
صديقي الفنان: اريد ان اخرج.
السجان: اقنعني بانك كتبت قصتك.. وسوف اكون اول الفرحين المهنئين بحريتك وانطلاقك صوب الفضاء الرحب.
صديقي: لقد كتبت قصة عنك.. عن صفاتك الحميدة واخلاقك المبدعة الخلاقة. ما ان انفرجت اسارير سجاننا، علامة الرضا، شرع صديقي الفنان بقراءة قصته في مديح السجن والسجان.. مشددا على كلمات منها: امين. شهم وكريم. وكان الاثنان يتمايلان سرورا وحبورا.. سجاننا لأنه حصل على ما اراده من مديح.. وصديقي الكاتب لأنه شعر بان قصته تلك مكنته من وضع قدميه في عيني الشمس واشعتها الدافئة.
عاد الي صديقي واثق الخطوة يمشي ملكا، ربت على ظهري وهو يقول:
-لقد عرفت السر..
فهمت ما اراده فقلت باسى من عاشر الاسى عمرا مديدا:
-لن ارسمه.. العالم اكبر منه.. سأواصل رسم الدنيا.. بأطيارها واشجارها.. وسوف اكتفي برسم الضوء الذي حرمني منه سجاني.
قبل ان اقول له كلمتي الاخيرة، كان صديقي قد جمع اوراقه واقلامه وقصصه.. ومضى في طريقه نحو الضوء.. فيما انكببت انا على لوني وفرشاتي.. احاول ان انطقهما بما يقنع سجاني.. وعاد الظلام ليطبق على كل شيء.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency