الأخبار العاجلة
مواقف: العطاء، الصمت، والأقصى
ساهر غزاوي
موقف العطاء
في مستهلّ الحديث، لا بد من التوقف عند مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، يوثّق شهادة أحد مسؤولي فرق الإغاثة في العالم العربي والإسلامي، مشيدًا بالدور البارز الذي يؤديه الفلسطينيون في الداخل (عرب 48) في دعم حملات الإغاثة الإنسانية، ولا سيما تجاه الشعب السوري. ووفقًا لما ذكره، فإن فلسطين، وتحديدًا مجتمع الداخل الفلسطيني، يتصدر قائمة المتبرعين والمتفاعلين مع هذه الحملات. حيث يستعرض المسؤول حجم التبرعات والمشاريع التي تحمل بصمة فلسطينيي الداخل في الشمال السوري، وهي المناطق التي تمكنت الجهات الإغاثية من الوصول إليها، مشيرًا إلى شوارع ومرافق تحمل أسماء بلدات فلسطينية، في دلالة واضحة على الحضور العميق لهذا المجتمع في المشهد الإنساني. كما يؤكد أن العديد من الفعاليات الخيرية، مثل موائد المناسبات والعقائق والنذور والصدقات، تعتمد بشكل كامل على تبرعات فلسطينيي الداخل، حتى أنه يقرّ بأنه يحفظ أسماء العائلات الفلسطينية المتبرعة أكثر من العائلات السورية، خاصة خلال أزمة الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا قبل عام.
إن هذا الحضور الفاعل والتكافل الإنساني ليس مجرد أرقام وإحصائيات، بل هو انعكاس حيّ لأصالة هذا المجتمع، الذي ظلّ، رغم التحديات، جزءًا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني وامتدادًا طبيعيًا للأمة العربية والإسلامية. فطوبى لمن أحيا الهمم وعزّز قيم العطاء والسخاء والإيثار، وبارك التنافس المحمود في فعل الخير.
هذا هو الوجه الحقيقي لهذا المجتمع المعطاء الذي يستمدّ عطاؤه من انتمائه الديني والوطني والإنساني، ومن قيمه الراسخة ومبادراته العصامية التي تسري في كيانه كما يسري الدم في العروق. فهو مجتمع كريم ومعطاء، متجذر في نخوته وشهامته ومروءته، لا يتوانى عن نصرة المظلوم والوقوف إلى جانب المستضعفين أينما كانوا. ومجتمعنا الذي يؤمن بقيم التسامح والتكافل وحب الخير، يسعى إلى الحياة الكريمة ويرفض العنف والجريمة التي تُفرض عليه قسرًا بفعل السياسات الإسرائيلية العليا، التي لا يمكن إخفاء حقيقتها الواضحة كالشمس في رابعة النهار.
الصمت المؤلم
لكن في المقابل، لا بد من التوقف عند تعقيب محلل سياسي على قناة الجزيرة، وهو من أصل غزّي، حول قرار المقاومة الفلسطينية تسليم الأسير الإسرائيلي هشام السيد، وهو عربي من سكان النقب، دون أي مراسم، احترامًا لمشاعر الفلسطينيين في الداخل وتأكيدًا على التكامل الشعبي الفلسطيني. حيث قال المحلل: "بالرغم من أن المجتمع الغزّي يشعر بالخُذلان تجاه فلسطينيي الداخل". وبغض النظر عن المواقف المختلفة تجاه هذا التصريح، سواء كانت تأييدًا أو اعتراضًا أو استياءً، يبقى الصمت ومراجعة الذات في هذا السياق الخيار الأكثر حكمة. فقد عايش هذا المحلل وأبناء شعبه في غزة عدوانًا إسرائيليًا مستمرًا على مدار 15 شهرًا، شهدوا خلالها جرائم حرب ضد الإنسانية ودمارًا هائلًا لم يشهد له قطاع غزة مثيلًا منذ نكبة عام 1948. فقد ارتكبت إسرائيل حرب إبادة وتدمير ممنهج، تلاها تجويع وتعطيش ومحاولات تهجير قسري، مخلفة مشاهد مفزعة من الخراب الذي محا مقومات الحياة في غزة. هذا إضافة إلى عشرات الجثامين التي ظلت تحت أنقاض المنازل المدمرة، فيما بقي بعضها ممددًا في الشوارع، دون أن يُسمح بانتشالها، حتى أصبحت فريسة للكلاب والقطط الضالة. وكان هذا المشهد بمثابة تلخيص لمأساة غزة وعمق الجريمة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. أما أطفال غزة الذين تجمدوا من شدة البرد حتى الموت في الخيام، فلا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا تحت القصف والحصار، في عالم أدار ظهره لمعاناتهم.
نعم، الصمت ومراجعة الذات هما الخيار الأفضل. ففي الوقت الذي أظهر فيه الفلسطينيون في غزة صمودًا أسطوريًا وإرادة لا تلين، متمسكين بحقوقهم رغم كل التحديات، فإن صمتنا الناتج عن الخوف جعلنا نتكيف مع حالة الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة على مدار سنة ونصف متواصلة دون انقطاع. فالصمت، الصمت يرحمكم الله.
الأقصى ميدانكم
وفي هذا السياق، ورغم شحن الأجواء والتنبيهات والتحذيرات والتهديدات التي يُعدّها الاحتلال الإسرائيلي كل عام، خاصة في شهر رمضان، ليُكرّس هذا المشهد ويزرع في وعينا أن التصعيد هو نتيجة لهذا الشهر المبارك، فإنه مع حلول شهر رمضان الفضيل لا بد من التأكيد على أن شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك والرباط فيه هو ميدان الداخل الفلسطيني الذي يتميزون فيه عن باقي الشعوب العربية والإسلامية. فهم أقرب الناس إلى المسجد الأقصى، وهم من يستطيعون الوصول إليه في كل وقت وحين، وهو من حباهم الله بهذه الميزة التي خصهم بها.
لقد ارتبط فلسطينيو الداخل بالمسجد الأقصى ارتباطًا عقائديًا وتاريخيًا عميقًا، وهم الأقدر على الوصول إليه والأولى بمواصلة هذه المسيرة المباركة. ومع مرور كل عام، تزداد أهمية هذه العلاقة، مما يعزز من دورهم المحوري في تعزيز حضور المسجد الأقصى بالمصلين، ويُثبت حضورهم كمكون أساسي في نصرته.
وعلى الرغم من التوصيات الأمنية الإسرائيلية بفرض قيود مشددة على دخول الفلسطينيين إلى الأقصى خلال رمضان، فإننا نؤكد بشكل قاطع الرفض التام والمطلق لأي تقييد يُفرض على دخول الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى المبارك، سواء في شهر رمضان أو في أي وقت آخر من العام. المسجد الأقصى هو حق إسلامي خالص، يشمل جميع مبانيه وباحاته، فوق الأرض وتحتها، ولا يجوز لأحد أن يحرم الفلسطينيين والمسلمين من هذا الحق المقدس.
إن الواجب الشرعي والوطني يحتم على الفلسطينيين الذين أدوا ولا يزالون دورًا محوريًا في نصرة الأقصى، أن يُكثّفوا زيارتهم له في هذا الشهر الفضيل، لما فيه من فضل وأجر عظيم. الجميع ينتظر شهر رمضان بفارغ الصبر ليقضي ما قُدر له من وقت في المسجد الأقصى، ليؤدي عباداته وصلواته ويعتكف في هذا المكان الطاهر تقرّبًا إلى الله عزّ وجلّ. فالأقصى بانتظاركم، وهذه فرصة عظيمة لا بد من اغتنامها خاصة في شهر رمضان لما فيها من أجر عظيم في الدين والدنيا والآخرة.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency