الأخبار العاجلة
رقيم البختياري
قصة: ناجي ظاهر
قضى رقيم البختياري سحابة عمره في البحث عن معنى لحياته، ومرر الوقت ساحبا قدميه سحبا.. بالقوة. فعل هذا من السنة الاولى لتفتح وعيه، ومضى يطوي السنوات عشرًا تتبعها عشرٌ الى ان بلغ الستين، فراح كلما استفزه احد يقول له انني بلغت الستين وانه ليس بإمكان احد ان يضحك علي.. في هذه السنة المتقدمة، اما في الواقع فقد كان يتقبل ضحك اخرين على لحيته وسخرية اخرين واخرين برحابة صدر من احب شعبه العربي.
بحثُ رقيم عن معنى لحياته دفعه لان يعيش حياته متقافزًا مثل الحبة في المقلى.
في البداية وقع نظره على كومة من الاخشاب المرتبة.. كان ذلك خلال زيارته جيرانه، برافقة والدته، ما جذبه الى تلك الكومة هو اوتارها عليها باحكام، وما زاد في انجذابه هذا كان ما سمعه من جهة ابن الحيران وهو يداعب تلك الاوتار.. فتنبعث منها انغام سحرية كأنما هي تبلغه من عالم اخر، حينها رغب رقيم في ان يحتضن كومة خشبية مماثلة، الا انه اخفق بسبب وضع والديه المادي الصعب.. كان هذا ايام طفولته.. آنذاك.. في الستينيات من القرن الماضي، وهو ما زال يتذكر جيديا حين ايقظه قلقله في منتصف ليلة حالكة الظلمة، وسار على رؤوس اصابعه باتجاه سرير امه ليطلب منها ان تشتري له كومة من الاخشاب، مثل تلك التي شاهدها في بيت الجيران، الا انه ما ان اقترب من سريرها حتى عاد، لمعرفته العميقة، ان والدته لن تتمكن من شراء الكومة المقصودة، بسبب التهجير وما افضى اليه من ضيق ذات اليد.
بعد تلك البداية.. صادف ان نظمت مدرسته عرضا مسرحيا فانبهر به ووقر في ذهنه انه جاء الى هذه الدنيا ليؤدي دورا تمثيليا تنحنى الرؤوس له احتراما وتقديرا، الا انه اخفق، وهو ما زال يتذكر، وهل ينسى.. يوم توجه الى مُخرج المسرحية وطلب منه ان يعلمه التمثيل فنظر اليه المخرج بازدراء، لا يمكن ان ينساه ولم يفه بأية كلمة، ما اشعره بضآلته وصعوبة متطلباته البسيطة.
وضعُ رقيم هذا رافقه حتى شارف الستين من عمره، وكان ان دعاه صديق عابر له الى افتتاح معرض للفن التشكيلي.. فراقه الى هناك، ليقف مطولا قبالة هذه اللوحة او تلك وليكتشف بالتالي انه اذا كان هذا هو الفن فان بإمكانه ان يكون فنانا. "تأخر المعنى، الا انه جاء اخيرا" همس لنفسه، ومضى في طريقه خارجا من المعرض، وهو يواصل قول لنفسه "ان يأتي متأخرا افضل من يتواصل انتظاري له".
عاد رقيم الى بيته وبادر في اليوم التالي لشراء متطلبات الرسم من الوان وفراش، واتخذ مجلسه قبالة حامل اللوحة العارية. بعد ان فرغ من رسمته الاولى كان المندهش الاول بها.. فقد رسم ما داعب مخياله طوال سنوات وسنوات.. رسم يهوديا متدينا مجهولا يرسل نظرة غاضبة نحو فلسطيني يشبهه، تفيض عيناه بالخوف جراء تلك النظرة الجبارة، ودعا بعد الانتهاء من رسمته صديقه الذي اصطحبه من امسه الى افتتاح المعرض المذكور، فما كان من صديقه الا ان سارع لزيارته في ساعات المساء من اليوم ذاته، وما ان تمعن في اللوحة حتى انفرجت اساريره، وقال له بثقة انك ترسم افضل من ذاك الرسام صاحب المعرض اياه.
تشجيعُ صاحبه هذا جعله ينسى الغرفة والبيت وحتى زائره الكريم، وشعر بخفة ريشة تود ان تُعلي في السماوات العليين. بل انه تصوّر نفسه محلقا هناك في اعالي الأعالي، ولم يغادر صديقه غرفته، التي ستحمل فيما بعد اسم "مرسمه"، الا بعد ان اتفق الاثنان على انه يجب ان يكون فنانا شاملا يغترف لوحاته من اعماق خوفه وقلقه من ربع السوالف، لكن لا ينسى ان الحياة اوسع من سالف يهودي ونظرة غاضبة حدها الحقد الاسود.. مع ان رقيم اعتبر ان اليهود وما احدثوه عام النبكة من دمار في حياته وتخريب في احلامه، فقد اقتنع بما قاله صديقه.. الم يكن يرغب في ان يجد معنى لحياته "،"على من يرغب في تطوير حياته ان يتمتع بشمولية في الراي ورحابة في الرؤية"، قال في نفسه وهو ينتقل من لوحة الى اخرى، بخفة بلبل وقف على شباكه وبهرته عندلته.
لم ينم رقيم تلك الليلة فقد انفتحت له اخيرا ابواب السماء التي أوصدتها ايدي القدر القاسي والتهجير اللئيم، وبقي صاحيا حتى ساعات الليل المتأخرة، ولم ينم الا عندما شعر انه سينام، وهو جالس قبالة لوحته.
في الايام الثلاثة التالية كان رقيم قد انجز عددا من لوحاته. بعد هذه الايام زاره صديقه وعندما اطلع على انتاجه الجنوني خلال ثلاثة ايام فقط، اكد له انه بات رساما" وانه مفيش حدا احسن من حدا".
راق ما قاله هذا الصديق لرقيم فسأله عما اذا كان جادا في قوله هذا، فما كان من صديقه الا ان حلف له بأغلظ الايمان انه يقول الحق ولا شيء غير الحق، و استخرج تأكيدا لصدقه هذا خلويه من جيبه.. واتصل بمجهول ما لبث ان تبين له انه يهودي، بل تبين له، اكثر من هذا، انه فنان من بلدة مجاورة، اما باقي المكالمة، لم يستمع اليه حفاظا على الخصوصية الصداقاتية، بيد ان ما حدث بعد انتهاء تلك المكالمة، بين صديقه ومحدثه، كان مفاجئا ولوى رقيم بوزه وهو يستمع الى صديقه يُخبره انه تحدث الى فنان يهودي صديق، من بلدة مجاورة، وهو ما كان رقيم يعرفه، وعرض عليه ان يرتب لقاء بين الاثنين من اجل التعاون، وهو ما لم يكن رقيم يعرفه.
تذكر رقيم لوحته الاولى عن اليهودي الحريدي( المتدين)، والفلسطيني الخائف، ونفر بصديقه قائلا: "انا لا يمكن ان اتعاون مع اليهود الذين دمروا بلدي وقتلوا ولدي". صديق رقيم تقبل الامر احتراما لمشاعره، غير ان رقيم ما لبث ان غيّر رايه بعد ثلاثة ايام اخرى اضافية.. ذلك انه حاول التعاون مع الفنان صاحب المعرض الاول الذي شارك في افتتاحه، الا ان هذا سخر منه متمتما:" اما بلاد هذه.. الكل بده يصير فنان.. صار عدد الفنانين اكثر من عدد بياعي الفجل"، ابتلع رقيم اهانته مختزنا اياها في اعماقه الهادرة، غير انه ما ان رأي صديقه حتى لف ودار وتوصل الى انه لا باس من ان نتعاون مع الفنانين اليهود، فما كان من صديقه الا ان رش على الموت سكر، وقال له "ما تقوله صحيح مائة بالمائة، خاصة اذا كان من نتعاون معه من هؤلاء الفنانين يساريا ومناصرا لقضيتنا". ولم يغادر الصديق مرسم صديقه الفنان الا بعد ان اتفق منعه على ان يرتب زيارة من شانها ان تتقدم به وبفنه الرائع خطوة الى الامام.
ما ان غادر الصديق مرسم صديقه الفنان رقيم، حتى تناول خلويه واتصل مرة اخرى بالفنان اليهودي اليسارى، واتفق معه على لقاء سريع يتم بين الفن اليهودي واخوه الفن الفلسطيني، بسرعة البرق تم اللقاء ليكتشف رقيم بحاسته المُدربة على النكبات والهزائم، ان من التقى به من الفنانين، اضافة الى من اتصل به صديقه، هم الا من الفنانين الهواة. اكتشاف رقيم هذا نفخه بالغرور، وخلال زيارته الاولى احس انه فنان مميز وبإمكانه ان يبرز بين اخرين من الهواة، اما هؤلاء فقد تعاملوا معه باحترام، افتقده لدي ذلك الفنان العربي الذي عرض عليه التعاون معه فسخر منه، وصرفه شر صرفة.. وتمضي الايام ليتم اقتراح الفنان رقيم المتحدث رقم واحد، في اول معرض يقيمه اولئك الفنانون اليهود الهواة، هنا نشأت مشكلة جديدة هي ماذا سيقول رقيم في افتتاح المعرض؟ هل يتحدث عن لوحته الاولى عن صاحب السالف و.. صاحب النظرة المرعوبة؟ ام يتحدث عن فنان الورود والزهور؟.
هذا السؤال وغيره من الاسئلة المماثلة، انتزعت النوم من عيني الفنان الفلسطيني الجديد، ولم تمكنه من النوم طوال الايام السابقة افتتاح المعرض.. الذي سيلقي فيه كلمته.
اخيرا دقت ساعة العمل، فارتدى رقيم البختياري اجمل ما لديه من ثياب، وحمل ما خف وغلا ثمنه من الهدايا لأصدقائه الجدد.. الفنانين اليهود الهواة.. قبل ان يصل الى مكان المعرض، شعر بنعاس رهيب يداعب جفنيه، فارسل نظرة متفحصة الى الحرش المحاذي، وعندما رأى مغارة هناك في الاعالي الجبلية.. ترجل من سيارته وتوجه نحوها.. دخل المغارة وسوّى ارضيتها بيديه، بعدها جذب حجرا.. وضعه على شاكلة مخدة، ونام عليه.. كأنما هو من اهل الرقيم
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency