كتب: المحامي محمد بشير
رئيس بلدية سخنين السابق
ليس أخطر ما يواجه الإنسان أن يخطئ في قناعاته، بل أن يصيب الحقيقة ثم يتخلّى عنها بالصمت. فالإيمان بالصواب دون الدفاع عنه، أو السكوت عنه حين يُنتهك، يحوّل القيم من مبادئ حيّة إلى شعارات باهتة، تُردَّد عند الحاجة وتُنسى عند الاختبار.
حين نؤمن بشيءٍ ولا نعمل بموجبه، نخلق داخلنا حالة من الانقسام؛ عقلٌ يعرف، وقلبٌ يوافق، لكن السلوك يسير في اتجاه آخر. هذا الانفصال لا يمرّ دون أثر، بل يراكم شعورًا خفيًا بالخذلان الذاتي، ويُضعف احترام الإنسان لنفسه قبل أن يضعف صورته أمام الآخرين.
أما الصمت عمّا نؤمن به، فليس حيادًا كما قد يبدو، بل موقف سلبي يسمح للخطأ أن يتمدّد، وللظلم أن يصبح أمرًا معتادًا، وللتجاوز أن يتحوّل إلى قاعدة. فالتاريخ والواقع يشهدان أن كثيرًا من الانحرافات لم تنتصر بقوة المدافعين عنها، بل بصمت الرافضين لها.
وعندما نصل إلى مرحلة نعمل فيها عكس ما نؤمن، تتجذّر الازدواجية، ويصبح التناقض أسلوب حياة. نُطالب بالقيم في الخطاب، ونتخلّى عنها في الممارسة. نُدين الخطأ عند الآخرين، ونتسامح معه حين يصدر عنّا أو عن محيطنا القريب. وهنا تفقد القيم معناها التربوي والأخلاقي، لأن القدوة تنهار، والكلمة تفقد وزنها.
ومع مرور الوقت، يتحوّل هذا السلوك إلى ثقافة عامة. ثقافة تُجيد التبرير أكثر مما تُجيد المواجهة، وتُفضّل السلامة المؤقتة على الحق الدائم. في مثل هذا الواقع، لا يُكافأ الصادق، بل يُنصَح بالصمت، ولا يُحترم صاحب الموقف، بل يُطالَب “بمجاراة الظروف”.
فإلى أين نصل إن استمرّ هذا المسار؟
نصل إلى مجتمعٍ تتآكل فيه الثقة، لأن الناس لا يرون انسجامًا بين القول والفعل.
نصل إلى أجيالٍ تنشأ على الشك بكل خطاب أخلاقي، بعدما خبرت التناقض في سلوك من يفترض أنهم قدوة.
ونصل إلى حالة من اللامبالاة العامة، حيث لا يعود الخطأ مستفزًا، ولا الصواب مُلهِمًا.
إن القيم لا تُختبر في أوقات الراحة، بل في لحظات الكلفة؛ حين يكون قول الحقيقة ثمنه العزلة، وحين يتطلّب الالتزام خسارة منفعة، أو مواجهة رفض، أو تحمّل نقد. هنا فقط يتبيّن الفرق بين من يؤمن حقًا، ومن يكتفي بالإعجاب بالفكرة.
لسنا مطالبين بأن نكون أبطالًا، ولا أن نواجه كل شيء دفعة واحدة، لكننا مطالبون بالحد الأدنى من الأمانة مع الذات. الأمانة في ألّا نخون قناعاتنا بالصمت الدائم، وألّا نزيّن الخطأ بتبريرات واهية، وألّا نطلب من الآخرين ما نعجز نحن عن الالتزام به.
فالكلمة التي لا تتحوّل إلى موقف تفقد قيمتها، والموقف الذي لا يستند إلى قناعة يفقد روحه. وبين الكلمة والموقف تُبنى المجتمعات أو تنهار.
عندما نكسر الصمت عمّا نؤمن به، لا نُغيّر العالم دفعة واحدة، لكننا نُغيّر أنفسنا، ونُعيد التوازن بين الداخل والخارج. وحين ينسجم الإيمان مع الفعل، تستعيد القيم معناها، ويستعيد الإنسان احترامه لذاته، ويصبح للأمل مكان في واقعٍ أنهكه التناقض.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency