وصف نتنياهو استعادة رفاة الجندي رام جويلي من غزة بأنه "يوم عظيم" وبأنه أوفى بما وعد به، فيما اعتبره كل من قائد الاركان الإسرائيلي زامير ووزير الامن كاتس بأنه "ايفاء بالتعهد". في المقابل تصدّر وسائل الاعلام ما مفاده بأن الجيش اراد التفتيش عن الجندي جويلي في ذات المقبرة قبل نحو شهر الا ان المستوى السياسي قد أرجأ العملية. هذا ما يشير الى التقديرات بأن التزامن بين استعادة جثمان الجندي وبين قرار الكابنيت بفتح معبر رفح وبين الانتقال الى المرحلة الثانية من خطة انهاء الحرب والتي بحثها مبعوثا ترامب مع المسؤولين الاسرائيليين.
بموازاة ذلك هدد وزير المالية سموتريتش بحل الكنيست في حال لم يتم إقرار ميزانية الدولة السنوية بالقراءة الأولى وبسبب الخلاف على قانون تجنيد الحريديم للجيش، ما يوحي الى ان نتنياهو يريد وضع مسألة حل الكنيست كخيار يلوذ اليه.
على مستوى الراي العام الإسرائيلي يكسب نتنياهو نقاطا هامة في تعزيز موقعه وفي استبعاد الحلقة الأكثر ايلاما للاسرائيليين في اخفاق 7 أكتوبر 2023 الا وهي إعادة جميع الاسرى والمحتجزين الاحياء والقتلى وأثر ذلك على النقاش بصدد لجنة تحقيق رسمية او حكومية في ذلك الاخفاق. فيما لا يبدو ان المعارضة ستملك القدرة على التأثير في طرح مسألة تأخير التفتيش عن جويلي لنحو شهر من الزمن وإغلاق هذا الملف. بناء عليه فإن مكسب نتنياهو قد يكون كبيرا مما قد ينعكس على الانتخابات القادمة للكنيست، بينما لا يضيف الى حلفائه في الائتلاف الحاكم.
سوف يحاول نتنياهو وحكومته عزو الإنجاز الى الجيش والحكومة وحصريا الى رئيسها، بينما أكدت التصريحات الامريكية عشية العثور على جثمان الجندي الى وجود معلومات مؤكدة بهذا الصدد وأن حماس والجهاد الإسلامي قد سلّما للوسطاء معلومات حول موقع دَفنِه المؤكد. الا ان مثل هذه الحيثيات تشير الى وجود اتصالات متعددة الأطراف بين مصر وقطر والولايات المتحدة ومن خلالهم وبشكل غير مباشر بين إسرائيل وحماس، وهو ما يفسر قرار الكابنيت منتصف ليل الخامس والعشرين من الجاري بصدد فتح معبر رفح، أي اقل من يوم من لحظة العثور على جثمان الجندي. بمضي ساعات من استعادة رفاة الجندي يكشف الاعلام الإسرائيلي مدى التدخل الأمريكي المكثف بهذا الصدد والذي من دونه وفقا لذات المصادر ما كان الامر ممكنا.
إن القرار إسرائيليا بفتح معبر رفح للأفراد من جانبه الفلسطيني ورفض مصر للشروط الاسرائيلية بالتواجد فيه او الرقابة المباشرة، يندرج في الدخول في االمرحلة الثانية من خطة وقف الحرب، وهنا تأتي زيارة ميلادينوف كممثل عن مجلس السلام وهيئته التنفيذية الى إسرائيل، وكذلك المبعوثان ويتكوف وكوشنير، وهي جميعها مؤشرات لاصرار إدارة ترامب على تطبيق المرحلة الثانية من خطة انهاء الحرب وبدء سريان عمل الهيئة التنفيذية الدولية وكذلك حكومة التكنوقراط الفلسطينية او بتسميتها اللجنة الوطنية لادارة غزة.
إن ملء الفراغ السلطوي في القطاع سيشكل معوّقا لمواصلة الجيش الإسرائيلي انتهاكاته في غزة، كما سيخلق مقدمات لبداية بناء البنية للخدمات الصحية والإنسانية كأولوية تمهيدا لبدء تعمير غزة. من المتوقع ان ينتقل نتنياهو في تبرير الانتهاكات الى ملف نزع السلاح في غزة، وهو ما لم يحصل خلال عامين من الحرب الإسرائيلية المكثفة والتي لم تحقق هذه الغاية التي أعلنتها إسرائيل هدفا رئيسيا من اهداف الحرب. الا ان استخدام نزع السلاح ذريعة لمواصلة الانتهاكات من المستبعد ان يكون بهذه المنالية. الهيئة التنفيذية لمجلس السلام واللجنة الوطنية لادارة القطاع هما العنوان لهذه المهمة وليس بالفعل العسكري الإسرائيلي. فيما الحل سيكون سياسيا وليس عسكريا وبالتفاهم فلسطينيا وعربيا وإقليميا وحتى دوليا.
مع اغلاق ملف الاسرى والمحتجزين تبدو مبررات الحكومة بالعودة للحرب او بتعويق مراحلها أقل قبولا على مستوى الراي العام الإسرائيلي الذي استنزفته الحرب المتواصلة ومتعددة الجبهات. وإذ يؤكد استطلاع جديد شامل أجراه معهد دراسات الأمن القومي بأن اكثر من نصف الاسرائيليين يشعرون بتحسن الشعور بالأمن والأمان، فإن العودة للحرب لن تكون مرغوبة إسرائيليا كما أنها لن تكون مجدية سياسيا لنتنياهو. فيما أن تهديد سموتريتش بحل الكنيست كما ورد سالفا، لن يحظى وفقا للمستجدات بتقبل من جمهور اليمين الذي يريد لهذه الحكومة ان تحكم حتى نهاية دورتها بالكامل وهي من الحالات النادرة التي تحكم فيها حكومة كامل دورتها. فقط إذا وجد نتنياهو شخصيا ان تبكير موعد الانتخابات في سياق اغلاق ملف الاسرى قد يفيده فعندها من الممكن ان يقوم بذلك مباشرة او يوعز الى اطراف ائتلافه بالقيام بذلك في موضوع يكسب منه.
في الخلاصة:
من المتوقع ان استعادة الجندي جويلي تشكل حدثا إسرائيليا مفصليا في تبرير الانتقال الى المرحلة الثانية من خطة انهاء الحرب، ومن المستبعد ان تملك الحكومة الشرعية الداخلية للعودة للحرب او بوقف خطة انهائها.
ينجح نتنياهو مرة أخرى في الاستفادة القصوى من هذا الحدث وفي جني ثماره السياسية اذ يعتبره الراي العام الاسرئايلي بأنه أوفى بوعده باستعادة جميع الاسرى والمحتجزين، مما يحسن احتمالاته الانتخابية لكن ليس بالضرورة وضعية ائتلافه، مما قد ييعزز الدفع نحو حكومة وحدة قومية من دون بن غفير وسموتريتش.
تعزز استعادة جثمان الجندي الاجماع القومي الصهيوني حول قيمة استعادة كل جندي او محتجز، وتعيد الى الأجواء من وجهة النظر الاسرائيلية فكرة وعقيدة وحدة المجتمع والجيش المتأصلة في العقيدة الصهيونية التاريخية.
فلسطينيا وعربيا يجدر التعامل مع الحدث كفرصة لملء الفراغ السلطوي وللضغط على إدارة ترامب والمجتمع الدولي لمنع حكومة إسرائيل من أي انتهاك لوقف اطلاق النار ومن أي تعويق للانتقال للمرحلة الثانية وإتاحة المجال لاعادة تعمير غزة وبنية خدماتها الإنسانية والحياتية ولاتاحة المجال لعمل حكومة التكنوقراط.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency