هدى شعراوي… حين يُقتل الضوء وتُترك الحقيقة وحيدة

كل العرب
نُشر: 30/01/26 10:08

رثاء نقدي وجداني في ممثلة سورية قُتلت خارج المشهد

لم تكن هدى شعراوي مجرّد اسم في تترات عملٍ درامي، بل كانت روحًا حسّاسة دخلت الفن بلا دروع، وخرجت من الحياة بطريقةٍ لا تليق لا بالفن ولا بالإنسان. امرأة مشت نحو الكاميرا بصدقٍ كامل، بينما كانت الحياة تمشي نحوها بقسوةٍ صامتة.

لم تنتمِ هدي شعراوي إلى فئة النجمات اللواتي يصنع لهنّ الضوء مجدًا سهلًا، لكنها انتمت إلى ذلك النوع النادر من الممثلات اللواتي يتركن أثرًا إنسانيًا عميقًا، لأن حضورهن لا يقوم على الصراخ، بل على التفاصيل: نظرة مكسورة، صمت ثقيل، انكسار لا يحتاج إلى تفسير.

تمثيل من منطقة الحقيقة

في أدوارها، لم تكن “تؤدّي” الشخصيات، بل كانت تنكشف من خلالها. لعبت المرأة المتعبة، المهمَّشة، الموجوعة، لا كقالب جاهز، بل كتجربة داخلية. كانت تعرف هشاشة النساء، لا بوصفها فكرة اجتماعية، بل كحقيقة معيشة، ولهذا جاء أداؤها خاليًا من الادّعاء، ومثقلًا بصدقٍ موجع.

لم تكن ممثلة البطولة الصاخبة، لكنها كانت بطلة اللحظة الإنسانية الخالصة؛ تلك اللحظة التي تمرّ سريعًا على الشاشة، لكنها تستقر طويلًا في الذاكرة.

خارج الكاميرا: وحدة بلا حماية

خارج النصوص، لم تكن الحياة أكثر رحمة. لم تحظَ هدي شعراوي بدعمٍ يوازي موهبتها، ولا بحماية وسطٍ يُفترض به أن يعرف هشاشة من يعملون في الضوء. كانت فنانة في عالمٍ لا يرحم من لا يُجيد المساومة، ولا يمنح فرصة ثانية لمن يختار الصدق على حساب الضجيج.

لم تكن مثيرة للجدل، ولا صانعة أخبار، ولا بارعة في تسويق الألم. كانت حسّاسة أكثر مما ينبغي، وهذه الحساسية نفسها تحوّلت إلى عبءٍ ثقيل في بيئة قاسية.

القتل: حين تتحوّل المأساة إلى إدانة جماعية

نهاية هدي شعراوي لم تكن مأساوية لأنها موت فقط، بل لأنها قتلٌ كشف ما هو أبعد من الجريمة. لم تُقتل روحها في لحظة واحدة، بل تآكلت قبل ذلك: بالتهميش، بالوحدة، بالإحساس القاتل بعدم الجدوى. وما حدث في النهاية لم يكن سوى الذروة العنيفة لفشلٍ طويل.

هي ليست ضحية فردٍ واحد فقط، بل ضحية منظومة كاملة: منظومة تُصفّق للفنان على الخشبة، ثم تتركه وحيدًا خلف الكواليس. منظومة تطالب بالصدق في الأداء، ثم تعاقب أصحابه حين يصبح الصدق عبئًا.

رثاء لا يهادن

هذا الرثاء ليس بكاءً عاطفيًا، بل موقف أخلاقي. لأن الحديث عن هدي شعراوي ليس استعادة لحكاية شخصية، بل مساءلة موجعة لضمير ثقافيّ وإعلاميّ واجتماعيّ سمح بأن تصل الأمور إلى هذه النهاية.

هدي شعراوي لم تكن نجمة، لكنها كانت إنسانة حقيقية في زمن الزيف. لم تخذل الفن، بل خذلها العالم. ولم تمت لأن موهبتها كانت ناقصة، بل لأن القسوة كانت أكبر من قدرتها على الاحتمال.

رحلت بصمتٍ قاسٍ،

لكن موتها ليس صمتًا.

إنه سؤال مفتوح،

وإدانة،

وشهادة على أن بعض الأرواح لا تُقتل لأنها ضعيفة،

بل لأنها نقيّة أكثر مما يحتمله هذا العالم.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة