لا تأتي العلاقات السامة دائمًا في صورة صدامٍ واضح أو عنفٍ صريح. كثيرًا ما تتسلّل بهدوء، وتستقرّ في حياة الإنسان بوصفها أمرًا طبيعيًا، مستندة إلى القرب، أو القرابة، أو التاريخ المشترك. هكذا تُمارس أذاها دون ضجيج، وتُنهك الروح باسم المحبة، وتستنزف الفرد تحت لافتات أخلاقية يصعب الاعتراض عليها.
لقد كرّست الثقافة الاجتماعية، طويلًا، فكرة مفادها أن الاحتمال فضيلة مطلقة، وأن الصمت دليل نُبل، وأن التخلّي - خصوصًا عن الأقربين - فعل مشين لا يُغتفر. غير أن هذا التصوّر، حين يُقارب من زاوية أخلاقية نقدية، يكشف عن مفارقة عميقة: كيف يمكن اعتبار الاستمرار في علاقة تُنتهك فيها الكرامة فعلًا أخلاقيًا، بينما يُدان الانسحاب بوصفه أنانية؟
العلاقة السامة لا تُقاس بحدّة الخلاف، بل بأثرها التراكمي على الذات. بما تخلّفه من إنهاك نفسي، وتشويش في الوعي، وشعور دائم بالذنب كلما حاول الفرد أن يضع حدًا أو يطالب بتوازن. هي علاقة تقوم على اختلال غير معلن في ميزان القوة؛ طرف يُطالَب بالفهم الدائم، وطرف لا يُطالَب بالمراجعة.
وتزداد خطورة هذه العلاقات حين تصدر عن الأقربين. فالقرب، هنا، لا يمنح الأمان، بل يُضاعف الأذى. القريب يعرف مواضع الهشاشة، ويدرك كيف يُربكك دون أن يترك أثرًا ظاهرًا. ولهذا يكون القرار بالانسحاب مؤلمًا، لا لأنه خاطئ، بل لأنه يواجه منظومة كاملة من التوقعات والاتهامات المسبقة.
من منظور أخلاقي، لا يُعدّ التخلّي عن العلاقة السامة هروبًا من المسؤولية، بل إعادة تعريف لها. فالمسؤولية لا تعني البقاء في كل علاقة، بل القدرة على التمييز بين ما يُنمّي الإنسان وما يُفنيه. والولاء، حين يتحوّل إلى صبر أحادي الاتجاه، يفقد قيمته الأخلاقية ويتحوّل إلى شكلٍ من أشكال العنف الذاتي.
إن أخطر ما تفعله العلاقات السامة أنها تُربّي في الإنسان شعورًا مزمنًا بالذنب تجاه نفسه. فيُقنع ذاته بأن ألمه مبالغة، وأن حاجته إلى الهدوء ضعف، وأن رغبته في الابتعاد خيانة. بينما الحقيقة أبسط وأكثر جذرية: لا يحتاج الإنسان إلى تبرير رغبته في السلام.
القطيعة، في هذا السياق، ليست إنكارًا للمحبة، بل رفضًا لتشويهها. ليست عداءً، بل استعادة للحدود. وهي لا تعني بالضرورة الكراهية، بل الاعتراف بأن بعض العلاقات، مهما كان قربها، لا تصلح للاستمرار دون أن تُلحق ضررًا دائمًا بالذات.
في لحظة النضج القصوى، يدرك الإنسان أن بعض العلاقات لا تنهار لأنها فشلت، بل لأنها استنفدت معناها. وأن البقاء فيها ليس وفاءً، بل خوفٌ من مواجهة الفراغ المؤقت الذي يخلّفه الانسحاب. غير أن هذا الفراغ، على قسوته، أرحم من الامتلاء بالأذى.
إن طرح العلاقات السامة من حياتنا - حتى حين تكون الأقرب - ليس فعل قسوة، بل شجاعة أخلاقية هادئة. هو دفاع عن الحق في الاتزان، وعن حق الإنسان في أن يعيش دون أن يشرح ألمه باستمرار، ودون أن يُختزل في دور المُحتمل الأبدي.
وهنا، لا تنتهي العلاقة فقط… بل يبدأ الإنسان في استعادة نفسه.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency