جزيرة إبستين تكشف الإفلاس الأخلاقي للإنسان المعاصر
لم تعد الفضيحة التي عُرفت باسم جزيرة إبستين مجرد قضية جنائية عابرة، بل تحولت إلى مرآة فاضحة تعكس حجم الانهيار الأخلاقي الذي وصل إليه الإنسان المعاصر، وخصوصا أولئك الذين يتربعون على قمة السلطة والمال والنفوذ. لقد كشفت هذه القضية، بما تحمله من تفاصيل صادمة، أن العالم لا يعاني فقط من أزمات سياسية واقتصادية، بل من إفلاس أخلاقي عميق يهدد جوهر الإنسانية نفسها.
إن القيم الدينية والأخلاقية كانت عبر التاريخ الحصن الحصين والسور الواقي للإنسان من الوقوع في الأخطاء وارتكاب الفواحش والجرائم. فهي التي تشكل البوصلة الداخلية، والضمير الحي، والرقيب الذي يمنع الإنسان من الانزلاق إلى درك الشهوة والأنانية. وعندما تُنتزع هذه القيم من حياة الفرد والمجتمع، يتحول الإنسان إلى كائن مادي تحكمه الغرائز، ويتصرف أحيانا كالبهيمة، بعيدا عن القيم الإنسانية السامية التي تميزه عن غيره من المخلوقات.
وتأتي فضيحة جزيرة إبستين لتطرح أسئلة أخلاقية مرعبة:
كيف يمكن لرؤساء دول، وشخصيات سياسية واقتصادية نافذة، أن يسمحوا لأنفسهم باغتصاب طفلات قاصرات؟
أي ضمير هذا الذي مات في صدورهم؟ وأي سلطة أو مال يمكن أن يبرر ارتكاب مثل هذه الجرائم البشعة؟
كيف وصلت الطفلات إلى تلك الجزيرة؟ وأين كانت عائلاتهن؟ وأين كانت القوانين، والمؤسسات، وأجهزة الرقابة التي تدعي حماية الطفولة وحقوق الإنسان؟
إن ما جرى في تلك الجزيرة ليس انحرافا فرديا معزولا، بل دليل على منظومة عالمية مريضة، تخلت عن الأخلاق، ورفعت شعار المصلحة واللذة فوق كل اعتبار. منظومة جعلت بعض من يفترض أنهم قادة وقدوة لشعوبهم يتصرفون بلا أي رادع اخلاقي وإنساني، وكأنهم فوق القانون والمساءلة.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: كيف لنا أن نشعر بالأمان في هذا العالم؟
وأي أمان يمكن أن توفره قيادات تورطت في جرائم جنسية بشعة بحق أطفال أبرياء؟
إن بقاء مثل هؤلاء في مواقع القرار يشكل خطرا أخلاقيا وإنسانيا على شعوبهم وعلى البشرية جمعاء.
وعليه، فإن الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية والسياسية يفرض الاستقالة الفورية لكل من تورط أو ثبتت عليه شبهة المشاركة في هذه الجرائم، وتقديمهم دون استثناء إلى محاكمات عادلة وعلنية، بعيدا عن الحصانات الزائفة والنفوذ السياسي. فالعدالة التي لا تطال الأقوياء ليست عدالة، والعالم الذي يحمي المجرم لأنه صاحب منصب هو عالم فقد بوصلته الأخلاقية.
إن جزيرة إبستين لم تكشف فقط شبكة جرائم، بل كشفت عورة الإنسان المعاصر حين ينفصل عن القيم الدينية والإنسانية. والدرس الأوضح الذي يجب أن نتعلمه هو أن بناء الإنسان أخلاقيا، قبل أي بناء مادي أو سياسي، هو الطريق الوحيد لإنقاذ البشرية من السقوط في هاوية أعمق وأظلم.
الدكتور صالح نجيدات
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency