شاهدنا ما حصل في جزيرة ابستين من انهيار أخلاقي وقيمي، ونحن نقول ان القيم حجر الأساس في بناء المجتمعات وصياغة سلوك الأفراد والجماعات، فالقيم مجموعة من المعايير التي يضعها المجتمع ويلتزم بها أفراده، وتشكل الدافع الحقيقي وراء الأفعال والتصرفات. والقيم ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل هي انعكاس لطريقة تفكير الناس وثقافتهم في زمن معين، وهي التي توجه أحكامهم واتجاهاتهم وسلوكياتهم نحو ما هو مرغوب فيه أو مرفوض، وفقًا لما استقر عليه المجتمع من قواعد ومعايير.
ومن هنا جاءت الشرائع السماوية، باعتبارها رسالة الله إلى الإنسان، أرسل بها الرسل والأنبياء، وأنزل الكتب ليبيّن للناس ما هو مطلوب منهم لتحقيق الغاية الكبرى من وجودهم. وقد أجمعت هذه الشرائع، وعلى رأسها الإسلام والمسيحية، على هدف مركزي واحد هو تحقيق سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، فجاءت أحكامها لضمان مصالحه، وجلب المنافع له، ودفع المضار عنه، وإرشاده إلى الخير، وهدايته إلى سواء السبيل. فالشرائع السماوية لم تترك الإنسان تائها في دروب الحياة، بل وضعت له منهجا واضحا، وأحكاما شرعية تكون له دليلا ونورا وسورا واقيا في رحلته وحياته في هذه الدنيا.
وقد أبرزت تعاليم الإسلام هذا الارتباط العميق بين الدنيا والآخرة، حيث جعلت أعمال الإنسان في حياته الدنيا معيارا لما يناله في الآخرة. فالحسن والمباح والجيد هو ما وافق الشرع الديني واستوجب الثواب، والسيئ والقبيح هو ما خالفه واستوجب العقاب. وهكذا تصبح أفعال الإنسان اليومية ذات قيمة حقيقية بقدر ما تحمله من خير ونفع وأثر أخلاقي، وليس بقدر ما تحققه من مصالح مادية زائلة يجمعها الانسان بالخاوة والابتزاز وأكل مال الحرام.
وكذلك أكدت الديانة المسيحية هذا الترابط الوثيق بين الإيمان ومنظومة القيم والسلوك العملي. فالإنسان الذي يتبنى القيم الدينية بصدق، لا بد أن تنعكس هذه القيم على سلوكه وأعماله، فيكون إنسانا خيرا معطاءً كما أراده الله. يجسد نبي الله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام هذه الحقيقة بقوله:
"هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا رديئة"
في دلالة واضحة على أن صلاح الانسان والإيمان الحق لا بد أن يثمر سلوكا صالحا نافعا للإنسان والمجتمع.
إن الأخلاق الدينية، في الإسلام والمسيحية، لم تترك جانبا من جوانب الحياة الإنسانية إلا ونظمته بمنهج الدين القويم، روحيا كان أم جسديا، عقليا أم عاطفيا، فرديا أم جماعيا. فما فرقه الناس بين أخلاق دينية أو فلسفية أو عرفية، جمعه المنهج الأخلاقي الديني في صورة متكاملة ومتناسقة، وأضاف إليه بُعد الالتزام والرقابة الذاتية والمسؤولية أمام الله.
وتمتاز القيم الدينية عن غيرها من القيم الفلسفية والنظرية بأنها لم تُقدَم للناس في إطار المواعظ المجردة فحسب، بل قُدمت من خلال النموذج والتطبيق العملي. فالأنبياء عليهم السلام كانوا القدوة الحية للقيم التي دعوا إليها، وجسدوا بأفعالهم ما نادوا به بأقوالهم، وتبعهم على ذلك صحابتهم وحواريوهم، فكانوا مدارس أخلاقية تمشي على الأرض.
ومن هنا، فإن من يتبع دين محمد صلى الله عليه وسلم، ودين المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، اتباعا صادقا قائما على القيم والأخلاق والعمل الصالح، ينعم بالدنيا استقامة وطمأنينة وعدلا ، وينعم بالآخرة فوزا ورضوانا . فالدين الحق ليس شعائر تُؤدّى فحسب، بل منظومة قيم تبني الإنسان، وتصلح المجتمع، وتقود البشرية إلى الخير والصلاح والسلام.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency