أثبتت التجارب الإنسانية والأبحاث العلمية، قديما وحديثا، أن الوقاية تمثل الطريق الأقصر والأكثر نجاعة في مواجهة الجريمة والانحراف، وأن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب لا تؤدي إلا إلى تدوير الأزمة وتعميقها. فالجريمة لا تولد فجأة، بل تنمو تدريجيا في بيئة مهملة، وتُغذى سوء التربية، وضعف التعليم، والتفكك الأسري، وغياب المتابعة الاجتماعية. ومن هنا، يستطيع أي مجتمع أن يمنع الجريمة أو يقلصها إلى أدنى حد ممكن إذا التزم بخطوات وقائية واضحة وجدية. وهي كالتالي:
أولا: بناء الإنسان هو الأساس وإن حجر الأساس في الوقاية من الجريمة هو بناء الإنسان بناءً سليما، أخلاقيا ونفسيا وفكريا. فالتربية الصحيحة داخل الأسرة، المدعومة بدور فاعل للمؤسسات التربوية، تزرع في الطفل قيم الانضباط، والمسؤولية، واحترام القانون، والآخرين. الإنسان السوي هو أقل عرضة للانحراف، وأكثر قدرة على مواجهة الإغراءات والضغوط.
ثانيا: إصلاح التعليم وتحسين أوضاع المدارس, فلا يمكن الحديث عن تربية سليمة دون منظومة تعليمية قوية. يتوجب تحسين أوضاع المدارس ماديا وتربويا، ووضع مناهج تعليمية حديثة تضع الطالب في مركز الاهتمام، وتنمّي قدراته الفكرية، وتحفز الإبداع والنقد البناء، بدل الحفظ والتلقين. كما أن اختيار الأكفأ والأصلح لمهنة التدريس، علميا وأخلاقيا، يشكل عاملا حاسما في تشكيل شخصية الطالب وحمايته من الانحراف.
ثالثا: سد فجوة ضعف الوعي الأسري، لا يمكن تجاهل حقيقة أن نسبة غير قليلة من الأهالي تعاني من محدودية الثقافة وضعف المعرفة بأساليب التربية السليمة. وفي مثل هذه الحالات، تصبح المدرسة والمؤسسات التربوية والاجتماعية التابعة للسلطة المحلية مطالَبة بلعب دور تكميلي، وأحيانا بديل، عن دور الأسرة، من خلال الإرشاد، والمتابعة، وبرامج الدعم الأسري والنفسي، لسدّ الفراغ التربوي قبل أن يتحول إلى مشكلة سلوكية خطيرة.
رابعا: دور مكاتب الخدمات الاجتماعية في التدخل المبكر، فيتوجب على مكاتب الخدمات الاجتماعية في كل سلطة محلية إجراء مسح شامل ومنهجي للعائلات المفككة أو المعرضة للخطر، والتركيز على علاج أوضاعها مبكرا. وفي الحالات القصوى، قد تستدعي المصلحة الفضلى للأطفال وضعهم منذ الصغر في مؤسسات داخلية تربوية، تضمن لهم بيئة آمنة وصحية، وتبعدهم عن الأجواء السلبية التي قد تقودهم مستقبلًا إلى الجريمة.
خامسا: منع تسرب الطلاب من المدارس. إن تسرب الطلاب من مقاعد الدراسة يُعد من أخطر المؤشرات الاجتماعية، إذ تشير ابحاث علم الجريمة والتجارب إلى أن شريحة كبيرة من المجرمين خرجت من هذه الفئة. لذلك، يجب التعامل مع ظاهرة التسرب بجدية قصوى، من خلال المتابعة الفردية، والدعم النفسي والتعليمي، وإيجاد أطر بديلة جاذبة، تمنح الطالب شعورا بالانتماء والأمل بالمستقبل.
واخيرا وليس آخرا , إن الاستثمار في الوقاية ليس ترفا، بل ضرورة مجتمعية وأمنية وأخلاقية. فكل جهد يُبذل في التربية والتعليم والرعاية الاجتماعية، يوفر أضعافه من المعاناة والخسائر بارواح والماديات لاحقا حقا، فدرهم وقاية خير من قنطار علاج، وبناء الإنسان اليوم هو الضمانة الحقيقية لتقليص العنف والجريمة وضمان أمن المجتمع وتطوره مستقبلا.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency