قالَ الأوّلُ للثاني، وهما على شُرفةِ ليلٍ عربيٍّ طويلٍ:
أمَا سمعتَ كيفَ يُقيمُ الحُزنُ خيمتَهُ في صُدورِنا،
وكيفَ صارَ العَزفُ لُغتَنا الأخيرةَ
حينَ خانَتْنا الكلمات؟
قالَ له:
إنّي كلّما ضاقَ بي هذا الزمانُ،
ألوذُ بـ مقام الأحزان؛
فهو ليسَ نغمًا…
بل جُرحٌ يتكلّم.
أتعرِفُ كيفَ يصرخُ الناي
إذا لامستْهُ أنفاسُ القهر؟
كأنّهُ شيخُ مدينةٍ فقدَ أبناءَهُ في الزِّحام،
فيرتجفُ صوتُهُ أنينًا بعدَ أنين،
ويقول: يا الله.
ويردُّ عليهِ العود
ببُكاءِ وترٍ عميقٍ،
يمتدُّ كحدودِ أوطانِنا،
بلا نهايةٍ،
وبلا يقين.
نحنُ، يا صديقي،
لسنا شخصينِ فقط؛
نحنُ مدينتانِ تتبادلانِ الشكوى،
نهرانِ جفَّ ماؤهما،
وبقيَ الصدى.
أحدُنا يقول:
تعبتُ من نشراتِ المساءِ،
من وجوهٍ تتبدّلُ ولا يتبدّلُ الوجع،
من أحلامٍ تُعلَّقُ على حبالِ الصبر،
ثمّ تُقصَفُ في الفجر.
والآخرُ يهمس:
وأنا تعبتُ من صمتِ الأزقّة،
من أطفالٍ كبروا قبلَ أوانِهم،
من أمهاتٍ يخبزنَ الخوفَ،
ويُطعِمنَهُ للقلوب.
فنُصغي معًا
إلى رجفةِ نغمةٍ
تشقُّ سكونَ الليل،
فنقول:
هذا نحن.
نحنُ حينَ تنكسرُ الرّوحُ،
ولا تجدُ غيرَ الموسيقى
كتفًا تبكي عليه.
نحنُ حينَ يُصبحُ العزفُ وطنًا مؤقّتًا،
نختبئُ فيهِ
من عصرٍ يضيقُ بنا
ولا يسمع.
قالَ لي:
هل سيأتي زمنٌ
نُغنّي فيهِ بلا وجع؟
قلتُ له:
ربّما…
حينَ يتعلّمُ هذا العالمُ أن يُصغي،
كما يُصغي النايُ للعود،
وكما يُصغي الجُرحُ لصوتِهِ
قبلَ أن يلتئم.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency