لم يكن سقوطه هو ما يحرجه.
السقوط فعلٌ قصير.
الفضيحة أطول.
الفضيحة هي تلك الثواني التي يستعيد فيها وعيه، فيرى الوجوه فوقه:
متراجعة قليلًا،
حذرة،
كأن جسده كشف سرًا لا يخصّه وحده.
كان يعرف الإشارة.
قبل النوبة بلحظات، يتغيّر كل شيء بدرجة لا يلاحظها سواه.
الضوء يشتدّ.
الصوت يصير بعيدًا.
رائحة معدنية خفيفة، كأن شيئًا داخليًا يسخن أكثر من اللازم.
ثم يتركه الجسد.
لا ألم حقيقي.
فقط انفصال.
كأن الخيوط التي تشدّه إلى الأرض تقرر أن تستريح.
في المدرسة، لم يضحكوا كثيرًا.
لم يحتاجوا.
كان يكفي أن يفسحوا له الطريق حين يسقط.
وضعوه قرب الباب.
احتياطًا.
تعلّم مبكرًا أن يراقب نفسه من الخارج.
أن يقف داخل جسده كما يقف شاهد في قاعة محكمة.
يسجّل الارتعاش،
يحاول تأجيله،
كأن الإرادة يمكن أن تقنع الكهرباء بالهدوء.
كبر وهو يحمل شكًا لا يفارقه:
هل أنا خللٌ عابر…
أم خطأ في التصميم؟
الرسم لم يكن شغفًا.
كان وسيلة لتفريغ ما لا يُحتمل.
بعد كل نوبة، تبقى في رأسه صور متكسّرة.
وجوه بلا ملامح.
أجساد يتسرّب منها الضوء عبر شقوق دقيقة.
أيدٍ ممدودة لا تصل.
كان يرسم بسرعة، كأن شيئًا يطارده.
الخطوط مرتجفة، غير مستقيمة، لكنها صادقة حدّ الفجاجة.
قالوا لاحقًا إن في أعماله “توترًا جميلًا”.
لم يعرف أن التوتر يمكن أن يكون جميلًا.
تعرفت إليه ليلى أمام لوحة لرجلٍ واقف بثبات،
وظلّه على الأرض يرتجف بعنف.
قالت:
“الظلّ أكثر شجاعة. هو لا يتظاهر.”
أعجبته الجملة لأنها لم تشبه تعزية.
لم تقل إنه مميز.
لم تقل إنه ضحية.
رأت شيئًا وسمّته.
أخبرها عن النوبات لاحقًا، بلا بطولة.
استمعت دون شفقة.
لكنه في إحدى الليالي، حين سقط بين يديها، رأى في عينيها ما لم يكن مستعدًا لرؤيته:
الخوف.
لم تصرخ.
لم تهرب.
لكن يديها ارتجفتا قليلًا قبل أن تخفيهما خلف ظهرها.
تلك الحركة الصغيرة كانت أقسى من أي تشخيص.
فهم عندها أن الحب لا يلغِي القلق،
وأن الجسد الذي يفلت منك قد يفلت من الآخرين أيضًا.
لم يعاتبها.
ولم تعتذر.
بينهما، بقيت مسافة رفيعة،
لا تُرى… لكنها لا تُردم.
في معرضه الأكبر، امتلأت القاعة.
كاميرات، ضوء، ضحكات منخفضة.
وقف قرب لوحته الجديدة:
جسد بلا وجه واضح،
وفي داخله صدع طويل، دقيق، من الرأس حتى القدم.
شعر بالإشارة.
الرائحة.
الضوء القاسي.
الفراغ الذي يسبق الانقطاع.
حاول أن يتحرك.
لم يستطع.
سقط في منتصف القاعة.
لم يكن هناك ركن يختبئ فيه.
الارتجاف كان كاملًا، عاريًا،
لا يمكن تأويله على أنه فن.
صمت.
حين عاد إليه وعيه، كان على الأرض.
السقف أبيض.
الوجوه دائرة ضيقة فوقه.
رأى في أعينهم شيئًا جديدًا:
ليس الشفقة،
بل إدراكًا مفاجئًا بأن أجسادهم قد تخونهم أيضًا.
نهض ببطء.
جسده لا يزال يرتجف.
أحدهم همس: “هل أنت بخير؟”
تأمل السؤال لحظة.
ثم قال:
“لا أعرف. لكنني موجود.”
لم يعتذر.
لم يبتسم.
ترك الارتجاف يحدث.
بعد أن غادر الجميع، بقي وحده في القاعة.
الأضواء خافتة.
اللوحات معلّقة كأنها تراقبه.
جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى الحائط.
مدّ يده أمامه.
كانت ترتجف.
لطالما حاول أن يثبّتها.
أن يضغط أصابعه بقوة،
أن يقنعها بالصمت.
هذه المرة، لم يفعل شيئًا.
تركها تتحرك كما تشاء.
فهم أخيرًا أن المشكلة لم تكن في السقوط،
بل في الإصرار على أن يبدو واقفًا دائمًا.
فهم أن الجنون ليس في الخلل،
بل في عالمٍ يقدّس السيطرة،
ويخجل من كل ما يفضح هشاشته.
رفع عينيه إلى لوحته:
الرجل ثابت،
وظلّه يرتجف.
ابتسم ابتسامة صغيرة، متعبة.
للمرة الأولى،
لم يعد يريد أن يكون الرجل.
اختار أن يكون الظل.
وفي الخارج،
كانت المدينة تمشي بثباتها الواثق،
غير مدركة أن تحت جلدها
ترتجف أشياء كثيرة
في صمت.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency