تعيش إسرائيل في السنوات الأخيرة واحدة من أكثر مراحلها توتراً بين السلطات، حيث تتصاعد المواجهة بين حكومة بنيامين نتنياهو والجهاز القضائي، وعلى رأسه المحكمة العليا. هذا التوتر ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل جزء من مشروع أعمق يسعى إلى إعادة صياغة شكل النظام السياسي وتقليص الدور التقليدي للسلطة القضائية في الرقابة على الحكومة.
البروتوكول الإسرائيلي يضع رئيس المحكمة العليا في مرتبة موازية لرئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس الكنيست، ويُلزم بدعوته إلى كلّ المناسبات الرسمية التي تشمل رؤساء دول أو رؤساء حكومات يزورون إسرائيل. هذا ليس تفصيلاً شكلياً، بل تعبير عن مبدأ فصل السلطات واعتراف بمكانة السلطة القضائية كركن أساسي في النظام الديمقراطي.
ورغم وضوح هذا البروتوكول، فقد تمّ تجاهل رئيس المحكمة العليا إسحاق عميت خلال زيارة رئيس وزراء الهند إلى الكنيست. غياب الدعوة لم يكن “هفوة إدارية”، بل خرقاً مباشراً للبروتوكول، ما يثير استغراباً واسعاً داخل الأوساط القانونية والسياسية. السلطة القضائية نفسها أكدت أن الدعوة لم تصل، فيما لم ينكر مكتب رئيس الكنيست أمير أوحانا ذلك، بل حاول التقليل من أهميته رغم أن البروتوكول لا يترك مجالاً للاجتهاد في مثل هذه المناسبات.
أن ما حدث لم يكن قدراً محتوماً، كان يمكن لنتنياهو أن يمنع الإهانة ببساطة عبر اتصال هاتفي واحد إلى رئيس الكنيست أمير أوحانا. لكن نتنياهو لم يرغب في ذلك، بل هو شريك كامل في المقاطعة السياسية لرئيس المحكمة العليا.
نتنياهو، الذي سمح بتمرير “قانون حائط المبكى” في قراءة تمهيدية رغم معرفته أنه لن يُستكمل لاحقاً، يختار في المقابل عدم اتخاذ أي خطوة لتهدئة التوتر مع الجهاز القضائي. هذا التباين يعزز الانطباع بأن المواجهة مع القضاء ليست حادثاً عابراً، بل جزء من استراتيجية سياسية طويلة المدى.
بالإضافه نرى أن وزير العدل ياريف ليفين ورئيس الكنيست أمير أوحانا يتحركان بضوء أخضر من نتنياهو. فليڤين يقود مشروع “إصلاح قضائي” يهدف إلى تقليص صلاحيات المحكمة العليا، بينما يتخذ أوحانا خطوات بروتوكولية وسياسية تُقرأ كجزء من حملة لتقليص مكانة القضاء في المجال العام.
وقد شهدت جلسات الكنيست في فترات مختلفة توتراً حاداً عند تقديم رئيس المحكمة العليا أو الإشارة إليه، بما في ذلك حالات تم فيها تقديمه بلقب “قاضٍ” فقط، وليس “رئيس المحكمة العليا”، ما أثار احتجاجات واسعة داخل القاعة.
يمكننا ان نحزم ان ما يجري هو صراع على شكل النظام السياسي نفسه. فبينما ترى الحكومة أن هدفها “إعادة التوازن” بين السلطات ومنع ما تعتبره “تدخلاً مفرطاً” من المحكمة العليا، يرى معارضوها أن هذه الخطوات تهدف إلى تحويل إسرائيل إلى نظام إداري مركزي يضعف استقلال القضاء ويقوّض مبدأ فصل السلطات.
يحذّر خبراء في القانون الدستوري من أن تهميش رئيس المحكمة العليا في المناسبات الرسمية، إلى جانب محاولات تقليص صلاحيات المحكمة، يشكلان معاً مساراً يؤدي حتما إلى تراجع في جودة الديمقراطية الإسرائيلية، ويُضعف الضوابط والتوازنات التي تُعدّ أساس أي نظام ديمقراطي.
تجاهل رئيس المحكمة العليا في حدث رسمي مع رئيس وزراء دولة كبرى مثل الهند يحمل دلالات تتجاوز البروتوكول. فهو:
- رسالة سياسية داخلية حول مكانة القضاء.
- خطوة ضمن معركة أوسع لإعادة توزيع السلطة.
- مؤشر على أن الحكومة الحالية ترى في القضاء خصماً سياسياً لا شريكاً دستورياً.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency