في التغريبة الشعرية

ناجي ظاهر
نُشر: 01/03/26 00:38

العلم لا يعطيك بعضه الا إذا أعطيته كلك/ينسب إلى الكثيرين منهم النظام

ناجي ظاهر

أمسية اثر أمسية وندوة تلو ندوة، تتأكد لدي أحقية ذلك السؤال الملح والمحير حول انصراف القطاعات العامة من الناس عن الشعر، فلماذا بات افضل الشعراء، وانا اعرف هذا عن قرب، يكتفون في فترتنا الراهنة بطباعة مئة أو خمسين نسخة من مجاميعهم الشعرية، بل لماذا راحوا يوزعونها مجانا على من يقدر الشعر وعلى من لا يقدره، الأمر سيان لديهم، وهل انصراف الناس، في العمق، عن الشعر يعود إلى مشكلة تتعلق فيهم، ام في الشعراء وفيما ينتجونه تحديدا.

طالما اقلقني هذا السؤال وغيره من الأسئلة المماثلة، لا سيما وانا ارى بأم عيني تهافت الشعراء على المنابر، وعدم تورع بعضهم عن استجداء التصفيق حينا بالصراخ وآخر بالتغنج، لا فرق في هذا بين شاعر وشاعرة، بالطبع بين قوسين كبيرين، وما أثارني في هذا السياق الا ذلك المتشاعر الشيخ المتصابي، عندما قرأ ترهاته وانتهى منها ليصفق له الجمهور لا لانه أبدع، وانما لأنه انتهى من مسرحيته المملة، فما كان منه إلا أن شلف قصيدة أخرى من جيب قميصه وتوجه إلى جمهرة الحاضرين سائلا اياهم: هل اقرا عليكم قصيدة أخرى.. وقبل أن يتلقى الإجابة يجود بالمزيد من ترهاته المدعوة ظلما شعرا.. أما منظمو هذه الأمسية أو تلك الندوة، فإنهم يبادرون لاستضافة الشعراء.. لواحد من سببين، أما لأنهم يريدون أن يسجلوا نشاطا لهذا السبب أو ذاك، وأما لأن متشاعرا أو أكثر قرعوا رؤوسهم، طالبين منهم أن يقيموا أمسية شعرية يصدحون فيها بصرخاتهم حينا وبتغنجاتهم حينا آخر.

من متابعة حثيثة ومن محبة صافية للشعر، ذلك الكائن الحي الجميل وأملا في أن استمع الى صوت شعري حقيقي مدهش ومثير، تابعت الامسية اثر الامسية والندوة تلو الندوة، فتأكد لدي أننا أمام كارثة شعرية وان الشعر يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة على يد من يعرف ومن لا يعرف، وان الاشراقات السعرية الأصيلة في بلادنا وحتى في البلدان المجاورة قليلة جدا وتكاد تكون نادرة. 

بالعودة إلى السؤال حول انصراف الجمهور أو الناس عامة عن الشعر، وضمن محاولة الإجابة عليه، اسجل فيما يلي بعضا من الملاحظات التي تكررت في العديد من الأمسيات والندوات الشعرية في العديد من البلدات والمدن، وعلى الوفير من المنصات.

الصراخ والعربدة

ما ان يذكر مدير الامسية اسمه وبعضا من المعلومات عنه، حتى يدنو الشاعر المعتز بنفسه وبما يحمله من آراء يسارية من متكا إلقاء الشعر، يسوي المسماع الالكتروني/ المايكرفون، يمينا ويسارا. يضرب عليه بإصبعه ليتأكد من أنه شغال وفعال، بعد أن يسمع صدى ضربته تلك، يقف رافعا رأسه وصوته، وكأنما هو في معركة لا بد له من تحقيق النصر فيها، وخذ يا صياح، وعندما يلاحظ أن أحداً لا يصفق لدرره الشعرية الثمينة، يهيب بجمهور الحاضرين سائلا إياهم أن يصفقوا وهائبا بهم: لماذا لا تصفقون. فيبادر أحدهم للتصفيق، الأمر الذي يدفع آخرين إلى حذو حذوه واتباع تصفيقه بتصفيق، لا احد يعرف سببه.. في اغواره البعيدة السحيقة. بعد قراءة شعرية تطول  أو تقصر، تنتهي مسرحية الالقاء، لتنتشر على وجوه أهل المعرفة في الشعر وفنونه، أكثر من علامة سؤال، وبما أن الجمهور يميز بوعيه أو بلا وعيه الجمعي، كما يرى عالم النفس السويسري الشهير كارل غوستاف يونج، اقول بما أن الجمهور يميز ما بين الشعر وسواه، فإن الكثيرين من افراده يضعون رؤوسهم بين ايديهم، وربما يقسمون أنهم سيقومون بمقاطعة المسخرة الشعرية القادمة.

في صميم العملية الشعرية

يتفق أهل العلم والمعرفة على أن للشعر مفاهيمه المتفق عليها، وان هذا الكائن الجميل، يحتاج إلى دربة ومران واسعي النطاق، حتى يستقيم العطاء في مجاله، ومما يذكر في هذا السياق أن الإنسان العربي القديم لم يكن ليقدم على الإنتاج في المجال الشعري، الا بعد أن يدرس ويتعلم ويحفظ الالاف من الأبيات الشعرية، تمهيدا للدخول الى ملكوت الشعر وحرمه المقدس، كما حصل مع الشاعر العباسي المشهود له بالابداع الحقيقي والتجديد أيضا، وأقصد به الحسن ابن هاني، المكنى بابي نواس، وهذا كله يعني أن الإنسان لا يمكن أن يكون شاعرا إلا بعد أن يتمكن من الصنعة على حد تعبير الناقد العربي العريق أبي هلال العسكري في كتابه عن الصناعتين ـ الشعر والنثر، أما ما يحدث اليوم في زمن وسائل التواصل الاجتماعي وما تحفل به من فوضى، فقد بتنا نرى من يقتحم الشعر وعالمه العصي بكل استخفاف، صافا الكلمات النثرية جنبا إلى جنب مدعيا أنها من الشعر، وغير عادم من يؤيده في فوضاه تلك من أصدقاء ومجاملين اجتماعيين، وأكاد أقول و.. منافقين. ما يحدث بعد تراكم كمية من كلامه النثري الفارغ والمكتوب وفق تصور شخصي محض للشعر، غالبا ما يكون تصورا رومانسيا ساذجا، يتوجه إلى المطبعة ليقدم درره المغرر بها ولتقم هذه بالتالي بطباعتها بعد أن تتلقى، لقاء طباعتها المئة أو الخمسين نسخة، التي تعلم تمام العلم أنه سيوزعها على الاصدقاء والمحيطين مجانا وعلى امل أن  يقرأوها، بعدها وقد بات واضحا أنه أطلق على نفسه صفة شاعر، وربما طلب من المطبعة أن تقوم بطباعة كرت يعرف به بتلك الصفة، فإنه يقوم بالتوجه إلى ادارة هذه المنصة أو تلك لتأتي النتيجة المرجوة، فها هو يقتحم المنصة، ويشرع في قراءة ما هو منفر من كلام لا علاقة له بالشعر لا من قريب ولا من بعيد. هنا ايضا يكمن سبب آخر في انفضاض الناس عن الشعر وترهاته.

الافتقار إلى الثقافة 

من المتفق عليه والمعروف في عالمنا الابداعي الادبي المعاصر تحديدا، أنه لا يمكن لإنسان أن يبدع وأن يقدم ما يذكر، خاصة في مجال القول الشعري، الا اذا كان متمكنا تمكنا تاما أو شبه تام، من ثقافته وسعة اطلاعه، وقد أمن العالم من القدم أن الشاعر الحقيقي لا يمكن أن يكون وان يوجد، إلا إذا كان مميزا وذا معرفة لا تتوفر للجميع، وقد اكتسبت الثقافة التي يتصف أو يتحلى بها الشعراء في عالمنا المعاصر، منذ الشاعر الأمريكي/ الانجليزي تي. اس اليوت، حتى الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، موقعا خاصا في تكوين شخصية من يريد أن يكون شاعرا، فرأينا شاعرا مثل التونسي المنصف الوهابي يعمل على تثقيف نفسه ليل نهار ليقدم ما هو مبدع، مثير ومدهش في مجال القول الشعري ، وهذا يعني أنه يدأب على القراءة والاستزادة منها، بعد ذلك يقدم على عملية الخلق الشعري بقوة وتمكن لافتين، الأمر الذي يدفع الاخرين، حتى لو كانوا قلة من القراء، يقبلون على ما ينتجه وبتابعونه بلهفة وشوق. صحيح أن هكذا وضعية لا تنهي معاناة الشعر وغربته في فترتنا الجارية، إلا أنه قد يفتح بابا نحو ملكوت الامل والشعر الجميل. في المقابل لهذا كله، اعرف عن قرب أن هناك من يكتفي حين يقرر أن يصبح شاعرا بالتوجه الى من يعلمه العروض/ البحور الشعرية العربية، وعندما يتمكن من واحد من آحادها الستة عشرة، أو اكثر، يأخذ في نظم الكلام وصفه على المسطرة. وغني عن القول أنه يوجد هناك فرق كبير بين النظم والخلق الشعري وفق تعبير ناقدنا العربي المبدع الخالد عبد القاهر الجرجاني صاحب الكتاب الشهير عن أسرار البلاغة. على مستوى آخر، يكتفي من يغتر بما يقوله آخرون من ترهات وكلمات فارغة ، بأن يقصر اطلاعه على تلك المساخر التي يفرضها هذا المضلل لذاته أو ذاك المعتز بشعره بالفتح لا بشعره بالكسر. لتأتي النتيجة مثل تلك المشار إليها انفا، طباعة ديوان يطلق عليه افتئاتا وظلما صفة شعر.. وظهور منفر على اكثر من منصة شعرية وفي أكثر من بلدة ومدينة.. شافت تعافت..

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة