بقلم: محمد دراوشة
يا راحلًا ترك في القلوب لوعة، وفي الدروب أثرًا لا يُمحى…
يا رجلًا كان إذا خطا، مشى معه الخير، وإذا تكلّم، نطقت الحكمة على لسانه.
اليوم نقف على ضفاف الفقد، نودّع رجلًا من طرازٍ نادر، حمل هموم الناس في قلبه، ووضع خدمتهم فوق كل اعتبار. وارينا الثرى جثمان المرحوم عبد الوهاب محمد موسى دراوشة (أبو باسل)، وحقّ علينا أن نذكر محاسنه، امتثالًا لقول المصطفى ﷺ:
“اذكروا محاسن موتاكم”،
وكأنما الحديث خُطّ ليُتلى في ذكراه.
يا من كنتَ للناس وطنًا
لم يكن الراحل بالنسبة لي عمًّا فحسب، بل كان رفيق طفولتي وشبابي، ثم رفيق دربي المهني والسياسي على مدار سبعة عشر عامًا. عملت إلى جانبه مساعدًا برلمانيًا، ثم في مواقع متعددة حتى إدارة الحزب، وخلال تلك السنوات رأيت فيه ما يندر أن يجتمع في رجل واحد: حكمة القائد، ورقّة الإنسان، وصلابة الموقف، وسعة الصدر.
ما عرفناه إلا كريم النفس، رقيق الجانب، ثابت الجأش، يمشي بين الناس كأنه واحدٌ منهم، ويسمو فوقهم كأنه من معدنٍ آخر.
كان إذا دخل مجلسًا، دخل معه الوقار، وإذا جلس، سكنت النفوس، وإذا نطق، أصغى السامعون، لأن كلماته لم تكن تُقال من فم، بل من قلبٍ امتلأ رحمةً وصدقًا.
يا من جعلت من بيتك مأوى للمظلوم، ومن صدرك ملجأً للضعيف، ومن وقتك نصيبًا لكل محتاج.
يا من صدقت فيه الآية الكريمة:
﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾.
إنسانية تتقدّم على كل شيء
شهد له الجميع بتواضعه الجمّ؛ يخاطب الطفل قبل الكبير، ويحنو على الضعيف قبل القوي، ويقف إلى جانب المحتاج دون تردّد.
كان بيته مفتوحًا لكل صاحب مظلمة، وصدره رحبًا لكل من قصد بابه. أحبّ أهل بلده إكسال، وأحبّ المجتمع العربي كله، وبادلهم محبةً صادقة وانتماءً أصيلًا.
كان أول من افتتح مكتبًا برلمانيًا في بلدة عربية، ليستقبل الناس دون موعد، وليجعل من السياسة خدمةً يومية لا منصبًا.
عالج آلاف القضايا: لمّ شمل العائلات، تصاريح البناء، قضايا المدارس والمعلمين، وتحصيل الميزانيات للمجالس المحلية العربية لتطوير البنى التحتية، وبناء المدارس والمراكز الجماهيرية والروضات والملاعب.
وقد صدق فيه قول النبي ﷺ:
“خير الناس أنفعهم للناس”.
قائدٌ حمل همّ مجتمعه
رافقته في آلاف اللقاءات والزيارات، في الأفراح والأتراح، وفي أدق المنعطفات السياسية.
كان حاضرًا في كل بيت، وفي كل مناسبة، وفي كل مسعى صلح، حيث لعب دورًا حاسمًا في حلّ النزاعات، لما امتلكه من هيبة وحكمة وقدرة على جمع القلوب.
شهدت له الساحة السياسية بدور محوري في تعزيز مكانة المجتمع العربي، وفتح آفاق التعليم الجامعي في الداخل والخارج، وبناء جسور مع دول عربية وشخصيات قيادية، الأمر الذي أسهم في فتح أبواب التعليم والعمل أمام آلاف الشباب.
ومن أبرز محطاته دخوله مع المرحوم توفيق زيّاد في اتفاق “الكتلة المانعة”، الذي اعتُبر محطة فارقة في تاريخ المجتمع العربي، ومرحلة وُصفت بالعصر الذهبي من حيث الإنجازات.
يا رجل الوحدة… يا صاحب الرؤية
كان الراحل من أوائل الداعين للوحدة السياسية العربية، وبادر مع الشيخ عبد الله نمر درويش رحمه الله إلى إقامة تحالف تاريخي بين الحزب الديمقراطي العربي والحركة الإسلامية، لتنشأ القائمة العربية الموحدة.
آمن بأن وحدة الصف هي الطريق الأقوى لتمثيل قضايا الناس، ودعا دائمًا إلى خطاب وطني عاقل، يحفظ الانتماء، ويصون الجسور مع قوى الخير.
كان يرى أبعد مما يرى الناس، ويدرك أن قوة المجتمع في وحدته، وأن تفرّق الكلمة ضعف.
جمع ما استطاع، ورأب ما استطاع، وسعى لما استطاع، وكان في كل ذلك ثابتًا كجبل، لينًا كنسيم، حكيمًا كمن خبر الدنيا وعرف أسرارها.
رحلتَ… ولكنك لم تغب
غاب الجسد، وبقي الأثر.
غاب الصوت، وبقي الصدى.
غابت الخطى، وبقي الطريق الذي عبدته للناس.
نم قرير العين يا عمّي،
فما زرعته من خيرٍ لن يضيع،
وما تركته من أثرٍ لن يُنسى،
وما قدّمته من عملٍ سيبقى شاهدًا لك إلى يوم الدين، مصداقًا لقول النبي ﷺ:
“إذا مات ابنُ آدم انقطع عمله إلا مِن ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له…”.
رحمك الله رحمةً واسعة،
وجعل قبرك روضةً من رياض الجنة،
وجزاك عن أهلك وشعبك ومجتمعك خير الجزاء.
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency