حصار الأقصى في سياق معركة الإرادات المحتدمة

ساهر غزاوي 
نُشر: 12/03/26 23:17

هل كان أحد يتخيل أن يأتي شهر رمضان هذا العام، ويُغلق فيه المسجد الأقصى المبارك – أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، والمذكور في القرآن الكريم، والمسجد الذي أُسري بالنبي محمد ﷺ إليه وعُرج به منه إلى السماء – في وجه المسلمين؟ ذلك المسجد الذي تلتقي فيه بركة الزمان ببركة المكان، وتتجه إليه القلوب لا بوصفه مجرد موضع للعبادة، بل رمزًا دينيًا وعقائديًا وحضاريًا وتاريخيًا حاضرًا في وجدان المسلمين، وميدانًا حيًا تتجسد فيه معاني الرباط والثبات والارتباط بالأرض والهوية.
هل كان يخطر في البال أن يُقدم الاحتلال الإسرائيلي، الذي يُسيطر على المسجد بقوة السلاح، على إغلاق أبوابه وكل المنافذ المؤدية إليه في وجه المسلمين الفلسطينيين، ولا سيّما أهل القدس وفلسطينيي الداخل؟ بل أن يترافق ذلك مع آلاف قرارات الإبعاد التي طالت المقدسيين وأبناء الداخل، ومنعتهم من دخول الأقصى أو حتى الاقتراب من بواباته، في سياق سلسلة من الإجراءات المتواصلة منذ ما يقارب عقدين من الزمن.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ أُغلق الأقصى عمليًا في وجه المسلمين في أنحاء العالم منذ عام 1967، كما في وجه الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، الذين لا يُسمح لهم بالوصول إليه إلا عبر تصاريح معقدة وإجراءات مهينة، حتى بات كثير منهم يتمنى مجرد أن تُكحل عيناه برؤية المسجد الأقصى المبارك، وهو لا يبعد عنه سوى بضعة كيلومترات.
في هذا السياق يستحضرنا ما ورد في الحديث الشريف الذي ذكره أهل العلم في فضائل بيت المقدس، والذي يؤكد عظيم مكانته وفضل الصلاة فيه، ويدل على شدة التعلق به في أزمنة الفتن والضيق: "صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعْمَ المُصلى هو، وليوشكن أن يكون للرجل مثل شَطَنِ فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعًا".
وشَطَنُ الفرس هو الحبل الطويل الذي يُربط به الفرس، والمقصود هنا مساحة صغيرة جدًا من الأرض. ويشير الحديث إلى أنه سيأتي زمان تشتد فيه المضايقات والفتن، حتى يصبح مجرد امتلاك موضع صغير يطل منه المسلم على بيت المقدس أحب إليه من الدنيا وما فيها.
فهل بلغنا الزمن الذي أخبر عنه الحديث، حتى أصبح المرء يتمنى مجرد رؤية المسجد الأقصى، فضلًا عن الصلاة فيه ومجاورته، ولا يستطيع؟ هنا أترك تفسير هذا الحديث وتأويله، وقراءة الأحداث من هذا المنظور، لأهل العلم والاختصاص، الذين أمضوا ردحًا من الزمن في دراسة هذا المجال، فهم أدرى وأعلم فيه.
لكن ما يجري اليوم في المسجد الأقصى يكشف أن المسألة لم تعد مجرد إجراءات أمنية عابرة، بل تعبير عن واقع جديد يجري فرضه تدريجيًا. فمنذ اندلاع الحرب على إيران في 28 شباط 2026، الموافق 11 رمضان، أُغلق المسجد الأقصى أمام المصلين بذريعة "حالة الطوارئ"، واستمر الإغلاق حتى بلغ ذروته في العشر الأواخر من رمضان. وهكذا وجد المسلمون أنفسهم أمام مشهد غير مألوف، فالمسجد الذي اعتادت ساحاته أن تضيق بالمصلين والمعتكفين في هذه الليالي المباركة بدا اليوم خاليًا من المصلين.
ولم يكن الأمر مجرد إغلاق لأبواب المسجد، بل جزءًا من مشهد أوسع شمل حصار البلدة القديمة وتشديد القيود على مداخلها، حتى أصبح الوصول إلى الأقصى شبه متعذر. وفي ظل هذا الواقع غابت الصلوات الجماعية، المفروضة منها والتراويح والقيام والاعتكاف، عن ساحات المسجد في ليالي العشر الأواخر، في دلالة تتجاوز الحدث نفسه إلى ما يحمله من رسائل سياسية ودينية.
فخطورة ما يجري لا تكمن فقط في منع الصلاة، بل في المساس بالوضع التاريخي والقانوني القائم في الأقصى. فوفق هذا الوضع، تعود صلاحية إدارة المسجد وفتح أبوابه وإغلاقها إلى دائرة الأوقاف الإسلامية، غير أن الاحتلال يسعى عمليًا إلى تكريس معادلة جديدة تجعل قرار التحكم في المسجد بيده، بما يضع حرية العبادة وترتيبات المكان تحت سلطة قراراته الأمنية.
ويزداد هذا المسار وضوحًا إذا نظرنا إلى السياق الأوسع. فالدعوات الإسرائيلية إلى إبقاء الأقصى مغلقًا حتى نهاية الحرب مع إيران، بالتوازي مع تصاعد حملات منظمات "الهيكل" المطالبة بإدخال قرابين "الفصح" إلى داخله، تكشف أن ما يجري لا ينفصل عن محاولة متدرجة لفرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى، تمهيدًا لتغيير قواعد التعامل معه في المستقبل.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الحصار الخانق، لا يخلو المشهد من صور الصمود والرباط. فثمة قلة مباركة من أبناء القدس وفلسطينيي الداخل ما زالت ترابط عند أبواب المسجد الأقصى، تفطر في محيطه، وتصلي التراويح بالقرب من أبوابه رغم المنع والحصار. وهي مواقف تعيد التذكير بمحطات عديدة شهدها الأقصى في السنوات الماضية، من هبة البوابات الإلكترونية إلى فتح باب الرحمة، حين أثبت المرابطون أن ارتباط هذا الشعب بمسجده ليس ارتباطًا شكليًا، بل علاقة وجود وهوية وعقيدة.
إن ما يجري اليوم في المسجد الأقصى لا يمكن فصله عن مسار طويل من السياسات الهادفة إلى إعادة تشكيل واقع المسجد تدريجيًا، عبر تقييد الوصول إليه، وإخضاع شعائره لقرارات الاحتلال، ومحاولة فرض وقائع جديدة داخله. ولذلك فإن إغلاق الأقصى في رمضان، ولا سيّما في العشر الأواخر، ومنع التراويح والاعتكاف فيه لأول مرة منذ عام 1967، يشكل سابقة تاريخية خطيرة واعتداءً صارخًا على حرية العبادة وعلى قدسية المكان.
ورغم قسوة هذا الواقع، فإن تاريخ المسجد الأقصى يعلمنا أن الأقصى لم يكن يومًا مجرد بناء يمكن إغلاق أبوابه بقرار عسكري، بل هو قضية أمة وإرادة شعب. وإذا أُغلق يومًا بقوة السلاح، فإن فتحه كان دائمًا مرتبطًا بإرادة صلبة تستحضر عزيمة المرابطين، وتستعيد روح المحطات التي أعادت للأقصى أبوابه المفتوحة. وقد أثبتت التجارب مرة بعد مرة أن قوة الإرادة قادرة على كسر القيود، وستفعل ذلك هذه المرة أيضًا بإذن الله.
فالحديث الذي ذكرناه آنفًا يدل على شدة تعلق القلوب بالمسجد الأقصى في أزمنة الفتن، وأنه سيبقى حاضرًا في وجدان الأمة، لا يُترك وحيدًا ولا تنطفئ جذوة الارتباط به. فطوبى لمن كان من أهل الرباط فيه، أو من المناصرين له قولًا وفعلًا.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة