تداعيات الحرب على القيَم الإنسانية...
بقلم الشيخ الدكتور محمد بدران – مدير عام دار الإفتاء والبحوث
الإسلامية/الداخل الفلسطيني
مدخل: حين تُختبر الإنسانية في لحظات الانهيار....
الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي امتحان حادّ لمنظومة القيم التي
يحملها الإنسان في داخله. ففي أجواء الخوف والدمار، لا يُقاس الناس بما
يملكون، بل بما يحافظون عليه من إنسانيتهم. وهنا يظهر الفرق بين من تبتلعه
الفوضى، ومن يثبت على مبدئه رغم كل شيء.
تآكل قيمة الرحمة..........
تكرار مشاهد الألم والقتل يُنتج حالة من التبلّد العاطفي، حتى يصبح الحزن مشهدًا
عابرًا. وهذا ما حذّر منه القرآن الكريم بقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِن بَعدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ
كَالحِجارَةِ أَو أَشَدُّ قَسوَةً﴾ (البقرة: 74).
وفي المقابل، يربّي الإسلام أتباعه على استدامة الرحمة مهما اشتدت الظروف،
قال ﷺ: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ" (رواه الترمذي)، لتبقى الرحمة صمام أمان
من الانحدار الأخلاقي.
اضطراب معيار الحق والباطل........
تحت ضغط الحرب، قد يُعاد تعريف القيم وفق منطق القوة لا منطق الحق، فتُبرَّر
الأخطاء، ويُلبَّس الباطل ثوب الضرورة. غير أن القرآن يضع قاعدة لا تقبل
التبديل: ﴿وَلَا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعدِلُواۚ اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ﴾
(المائدة: 8). فالعدل ليس خيارًا ظرفيًا، بل قيمة ثابتة تُختبر في أوقات الشدة قبل
الرخاء.
انكماش روح الجماعة وصعود الفردية.........
تدفع الحرب كثيرًا من الناس إلى التركيز على النجاة الشخصية، مما يُضعف روح
التكافل، ويُعلي من شأن الفردية. لكن الهدي النبوي يعيد التوازن، إذ قال ﷺ:
"مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ كَمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ" (متفق عليه). ففي
اللحظات التي يظن فيها الإنسان أن نجاته فردية، يذكّره الإسلام أن النجاة الحقيقية
جماعية.
تشويه صورة الآخر ونزع إنسانيته.........
من أخطر آثار الحرب أنها تُنتج خطابًا يُجرّد "الآخر" من إنسانيته، مما يسهّل
تبرير الظلم بحقه. بينما يؤكد القرآن مبدأ الكرامة الإنسانية الشاملة بقوله: ﴿وَلَقَد
كَرَّمنا بَني آدَمَ﴾ (الإسراء: 70). ويؤسس النبي ﷺ لأخلاقيات الحرب المنضبطة
بقوله: "اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا" (رواه مسلم)، لتبقى القيم حاضرة حتى في
ميادين النزاع.
جيل يتشكّل على وقع الصدمة.......
الأطفال الذين ينشؤون في بيئات الحرب لا يرثون الألم فقط، بل يحملون آثارًا
نفسية وسلوكية عميقة، قد تعيد إنتاج العنف في المستقبل. ومن هنا تأتي
مسؤولية التربية، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
(التحريم: 6). فالحماية لا تقتصر على الجسد، بل تمتد إلى بناء الوعي والقيم.
معركة القيم… الامتحان الأصعب........
في زمن الحرب، يصبح التمسك بالقيم نوعًا من المقاومة الصامتة، بل هو أعلى
أشكال الصمود. فالحرب قد تفرض واقعًا قاسيًا، لكنها لا تملك أن تُسقط إنسانية
الإنسان إلا إذا سمح هو بذلك. ومن حافظ على قلبه رحيمًا، وميزانه عادلًا، فقد
انتصر في معركة القيم، وهي المعركة التي تُحدّد ملامح المستقبل..
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency