بقلم الشيخ الدكتور محمد بدران – مدير عام دار الإفتاء والبحوث الإسلامية/الداخل الفلسطيني
مدخل: حين تُستهدف العقول لا الحدود.......
لا تقف الحرب عند حدود الدمار المادي، بل تتسلل إلى عمق الوعي الجمعي، فتعيد تشكيل المفاهيم، وتُخلخِل الثوابت، وتزرعُ الخوف أو التبلّد. إنها لا تقتل الأجساد فحسب، بل قد تُميت البصيرة، وتُعيد صياغة الإنسان من الداخل.
تُشوِّه معيار الحق والباطل.........
في أجواء الحرب، تختلط المفاهيم، ويُعاد تعريف الظلم والعدالة وفق ميزان القوة لا ميزان الحق. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (البقرة: 11)، فتصبح الجريمة مبرَّرة، ويُسوَّق العدوان على أنه ضرورة، مما يربك الوعي ويشوّه الإدراك.
تطبيع الخوف والانكسار.........
تكرار مشاهد القصف والقتل يُنتج حالة من التكيّف السلبي، فيعتاد الإنسان الألم حتى يفقد حساسيته تجاهه. وقد حذّر النبي ﷺ من ذلك بقوله: "إذا رأيتَ أمتي تهابُ أن تقولَ للظالم: يا ظالم، فقد تُوُدِّع منهم" (رواه أحمد). حين يسكت الوعي، يبدأ الانهيار الحقيقي.
صناعة السردية المهيمنة......
الحرب الإعلامية أخطر من العسكرية، إذ تُفرض رواية واحدة تُعيد تشكيل وعي الشعوب. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6)، فغياب التبيّن يجعل الوعي أسيرًا للدعاية، لا للحقيقة.
تفكك القيم وتبدّل الأولويات........
تحت ضغط البقاء، تتراجع القيم لصالح الغرائز، ويغدو النجاة الفردية أولوية على حساب الجماعة. ومع ذلك، يذكّرنا القرآن بثبات القيم حتى في الشدائد: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139).
التبلّد الأخلاقي وفقدان التعاطف.........
مع تكرار مشاهد الدماء، قد يصل الإنسان إلى حالة من التبلّد، فلا تعود المآسي توقظ ضميره كما ينبغي. وهذا من أخطر آثار الحرب، إذ يتحول الألم إلى مشهد عابر. وقد ذمّ القرآن قسوة القلوب فقال: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74).
ضياع البوصلة بين الانفعال والوعي.........
في أجواء التوتر، تتحكم العاطفة في اتخاذ المواقف، فيُستبدل التفكير الرشيد بردود أفعال متسرعة، مما يزيد من هشاشة الوعي الجمعي. وقد أرشد القرآن إلى التوازن وعدم الانجرار خلف الانفعال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8).
تآكل الهوية تحت ضغط السرديات........
مع استمرار الحرب، تتعرض الهوية الجمعية لمحاولات إعادة تشكيل، عبر فرض نماذج فكرية وسلوكية بديلة، فتضعف المرجعيات الأصيلة وتذوب الخصوصية الثقافية. ويذكّرنا القرآن بخطورة الذوبان في الآخر على حساب الثوابت: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ (الحشر: 19).
ولادة وعي جديد مقاوم........
ورغم كل التداعيات، فإن الحروب قد تُنتج وعيًا يقظًا، يعيد اكتشاف الذات ويستنهض الطاقات. يقول تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ (الحج: 40)، فالابتلاء قد يكون بوابة لإعادة بناء وعي أكثر صلابة وصدقًا.
معركة الوعي أولًا.........
إن أخطر ما في الحرب ليس ما يُدمَّر من عمران، بل ما يُهدم في الوجدان. لذلك، فإن معركة الوعي تسبق معركة الميدان، وبقدر ما نحفظ وعينا من التشويه، نحفظ مستقبلنا من الضياع...
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency