بقلم الشيخ الدكتور محمد بدران – مدير عام دار الإفتاء والبحوث الإسلامية/الداخل الفلسطيني
مدخل: حين لا يكون الصراع فوضى.........
كثيرًا ما يُفهم التّدافع في واقع الناس على أنّه فوضى عمياء، أو صراعٌ تحكمه شريعة الغاب، لكنّ القرآن يعيد صياغة هذا المفهوم ضمن إطارٍ أعمق وأدقّ؛ فهو ليس عبثًا، بل سنّة إلهيّة تحفظ توازن الحياة وتمنع فسادها. يقول الله تعالى: ﴿ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين﴾ (البقرة: 251)، ويقول سبحانه: ﴿ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهم ببعضٍ لهُدِّمت صوامعُ وبيعٌ وصلواتٌ ومساجدُ يُذكر فيها اسمُ الله كثيرًا﴾ (الحج: 40).
فهذه النصوص تؤكد أنّ التّدافع ليس حالة طارئة، بل ضرورة لحماية الدين والقيم والعمران، وليس مجرد صراعٍ بلا معنى.
التّدافع: ميدان التمحيص وكشف الحقائق.........
في لحظات التّدافع، تتعرّى الشعارات، وتسقط الأقنعة، ويظهر الصادق من المدّعي. فليس كل من رفع صوته كان على حق، ولا كل من انتصر كان صادقًا. إنها مرحلة تمحيص، يختبر الله فيها النوايا قبل النتائج، والثبات قبل الشعارات. قال تعالى: ﴿أحسبَ الناسُ أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون﴾ (العنكبوت: 2)، وقال سبحانه: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ (آل عمران: 179).
فالتّدافع ليس غاية، بل وسيلة لفرز الصفوف، حتى لا يبقى في الميدان إلا من استعدّ لتحمّل تبعات الحق.
السنن الإلهية: قوانين لا تُحابِي أحدًا.......
من الأخطاء الشائعة أن يُختزل النصر في العاطفة أو يُربط بالشعارات، بينما السنن الإلهية قائمة على أسبابٍ واضحة لا تتخلّف. فهي لا تُحابِي أحدًا، ولا تنحاز للأسماء، بل تنحاز لمن يفهمها ويأخذ بها. قال تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ (محمد: 7)، وقال سبحانه: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ (الرعد: 11). فالنصر ليس دعوى تُقال، بل التزام يُعاش، وإصلاح يبدأ من الداخل قبل أن يطلب التغيير من الخارج.
من التّدافع إلى التمكين: معادلة قرآنية.......
التمكين ليس حدثًا مفاجئًا، ولا هديةً بلا ثمن، بل نتيجة طبيعية لمسارٍ طويل من الصبر والوعي والعمل. إنّه وعدٌ إلهي، لكنه مشروط بالإيمان الصادق والعمل الصالح، قال تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا﴾ (النور: 55). كما بيّن سبحانه سنّة التداول فقال: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ (آل عمران: 140)، ليؤكد أن الانتقال من الضعف إلى القوة ليس قفزة، بل مسار تحكمه سنن دقيقة.
التمكين: بداية اختبارٍ لا نهايته........
إذا كان التّدافع اختبارًا، فإنّ التمكين اختبارٌ أشدّ وأخطر. فكم من أممٍ بلغت القوة، لكنها خسرت نفسها حين ظنّت أنّها بلغت النهاية. قال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾ (الأنبياء: 35)، وقال سبحانه: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ (الملك: 2). فالتمكين لا يعني الأمان المطلق، بل يعني مسؤولية أعظم، واختبارًا أدقّ في العدل والأمانة والثبات.
خاتمة: وعي الطريق قبل طلب الوصول.....
إنّ الانتقال من التّدافع إلى التمكين ليس قفزةً مفاجئة، بل هو طريقٌ طويل يبدأ بالوعي، ويمرّ بالإصلاح، وينتهي بوعد الله حين تتحقق شروطه. ومن يجهل هذه السنن، سيبقى يدور في دائرة الأماني دون أن يبلغ الغاية. قال تعالى: ﴿فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا﴾ (فاطر: 43). فمن أراد التمكين، فلا يهرب من التّدافع، ولا يساوم على القيم، بل يسير على بصيرة، حتى يأتي وعد الله في وقته الحق، لا في الوقت الذي نستعجله، قال سبحانه: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * قل عسى أن يكون قريبًا﴾ (الإسراء: 51)..
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency