غريب في وطنه: حين يفقد المواطن حقه في بلاده

غزال أبو ريا
نُشر: 26/04/26 21:29

ليست الغربة دائمًا سفرًا بعيدًا أو ابتعادًا عن الأرض، فقد يعيش الإنسان في وطنه، بين أهله وناسه، لكنه يشعر بغربة قاسية تتسلل إلى داخله بصمت. غربة لا تُرى بالعين، لكنها تُثقل الروح وتكسر الانتماء.

يبدأ هذا الشعور حين يدرك المواطن أن وطنه لم يعد يحتضنه كما ينبغي، وأن خيراته لم تعد له. عندما تتحول موارد البلاد إلى أيدي غير أبنائها، ويغدو المسؤول بعيدًا عن هموم الناس بدل أن يكون حارسًا أمينًا على مقدراتهم، تتصدع العلاقة بين الإنسان ووطنه، وتبدأ ملامح الغربة بالتشكل.

وتتعمق هذه الغربة أكثر حين يعجز نظام الحكم عن تلبية تطلعات مواطنيه، فيُختزل طموح الإنسان إلى مجرد البحث عن لقمة العيش، بدل أن يكون شريكًا في بناء مستقبل يليق به. يصبح الحلم محدودًا، والكرامة مهددة، ويغدو الوطن مساحة لا تتسع كما ينبغي لأحلام أبنائه.

وعندما تضيق مساحات التعبير، وتضعف قنوات المشاركة، يشعر الإنسان بأن صوته لم يعد مسموعًا كما يجب، فيتراجع إحساسه بالشراكة والانتماء. كما أن غياب العدالة أو تأخرها، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية، كلها عوامل قد تُضعف الروابط بين المواطن ووطنه.

وهذا الواقع، في بعض جوانبه، يعكس تحديات تواجهها مجتمعات في العالم العربي اليوم، حيث تسعى هذه المجتمعات إلى تحقيق توازن أفضل بين متطلبات التنمية، وصون الكرامة الإنسانية، وتعزيز مشاركة المواطن في صنع القرار، بما يعزز الثقة ويعمّق الانتماء.

إن أخطر ما في هذه الغربة أنها لا تُرى بسهولة، لكنها تنخر في عمق المجتمع. مواطن يعيش في وطنه، لكنه لا يشعر بأنه جزء من قراره أو مستقبله. يعمل، ويتعب، ويصبر، لكنه لا يرى ثمرة جهده تنعكس على حياته أو حياة أبنائه.

ومع ذلك، فإن الغربة ليست قدرًا محتومًا. فالوطن الحقيقي يُبنى حين يشعر المواطن بالعدالة، وبأن صوته مسموع، وأن كرامته مصونة، وأنه شريك في صنع القرار. عندما تعود الموارد لأهلها، وتُصان الحقوق، وتُفتح آفاق الأمل، يستعيد الإنسان انتماءه، وتعود العلاقة بينه وبين وطنه علاقة حياة لا اغتراب.

إن الحفاظ على الإنسان في وطنه ليس مسؤولية فردية فحسب، بل هو مسؤولية منظومة كاملة، تبدأ بالعدل، وتمر بالكرامة، وتنتهي بالشراكة الحقيقية. فالوطن الذي يحتضن أبناءه، هو الوطن الذي يبقى.

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة