بقلم: المحامي سامر خير - أثبت اللقاء الصحفيّ المصوّر الأخير مع وليد جنبلاط (أجراه معه أحمد عصفور - قناة الجزيرة – الحلقة الأولى) أن حساباته السياسية عُثمانية "أخونجيّة" صرفة، وهذا يفسّر سبب وقوفه مع سادته الأتراك – وأتباعهم مثل أحمد الشرع (الجولاني) - حتى على حساب إبادة الدروز. ولذلك أيضًا فهو يستبعد السلام مع إسرائيل، حتى لو كان ذلك على حساب خراب لبنان (مع أن تركيا - ويا للسخرية - تُقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل).
ذهب البعض إلى أن هذا اللقاء أظهر جهل وليد جنبلاط بالتاريخ، ولكنني أعتقد أنه في الحقيقة تجاهُل مقصود ربي عليه جنبلاط وربّى عليه قطيعَهُ، أكثر من كونه جهلًا. فهو يمتدح السلطنة العثمانية في كل مناسبة، وهذه المرّة بحجة أنها "وحّدت المسلمين" على حدّ زعمه، لكنه لا يذكُر أن هذه السلطنة بالذّات هي التي أرسلت جدّه الجانبولاديّ الأوّل ورعته حتى تنصيبه زعيمًا على قوم لم يكن ينتمي إليهم، بعد أن أتت به من لا مكان (يبدو أن وليد جنبلاط اشترط على أحمد عصفور مسبقًا أن لا يسأله عن ذلك! رغم أنه كان من المنطقي أن يتطرق إلى ذلك في سياق الحوار)، وكانت مهمّته – أي جدّه الجانبولادي وربّما هو من بعده - تفكيك التلاحُم الدرزي وإشعال الفتن الداخليّة والطائفيّة والقضاء على شُعلة وذكر القائد والزعيم الدرزي الحقيقي الأوّل في التاريخ القريب: الأمير فخر الدين المعني الثاني، الذي تمرّد على العثمانيين وأنشأ دولة عدل ومُساواة بشهادة بعض المؤرّخين استمرّت عدة عقود على مساحة واسعة من بلاد الشام. وقد يكون هو أساس وسرّ قوّة الدروز حتى اليوم!
* والدته كانت سُّنّيّة وأدارت شؤون الدروز طوال نحو أربعة عقود! *
من المثير حقًّا أن يعترف جنبلاط بأنّ والدته كانت "سنيّة" وبأن زواج والده من والدته كان زواجًا مدنيًّا (أي بدون عقد زواج شرعي ديني درزي)، والأكثر إثارة اعترافه بأنه كان مجرّد زواج سياسي، لأنها من العائلة الإقطاعية المنافسة على زعامة الدروز: أرسلان. كما يعترف بوجود قطيعة تامة وقعت بين والديْه بعد ولادته (بدون طلاق)، ممّا يثبت كون الزواج سياسيًّا مصلحجيًّا (لدرجة أن وليد كان يرى أمه في بيروت "خلسةً" أو "في السرّ" حسب تعبيره!).
بكلمات أخرى: وليد جنبلاط هو ثمرة زواج مصلحة، كان الهدف منه الحفاظ على الزعامة.
ومن المثير كذلك أنه يؤكّد أن والدته بقيت سنيّة على دين والدها شكيب أرسلان، ولا يوضّح إن كان هذا أحد أسباب خلافها مع والده كمال.
ومن المثير أيضًا أن يصرّح بأنه بعد اغتيال والده اتّصل بأمه التي كانت تقيم في باريس وطلب منها العودة إلى "بيتها" - على حد تعبيره – دار المختارة. ومن المثير أكثر أن يصرّح بأن والدته السنيّة تلك هي التي أدارت قصر المختارة منذ اغتيال والده في عام 1977 حتى وفاتها في عام 2013 (يمكن الاستنتاج هنا بأن دعوته للدروز للعودة إلى ما أسماه "الإسلام الحقيقي" جاءت قبيل وفاتها.. فهل كان يتلو عليهم وصية والدته؟! واضعًا الموحدين الدروز خارج دائرة الإسلام؟!).
* والده كمال جنبلاط تستّر في بيته على مُجرم! *
في الحلقة الثانية من الحوار، والتي بُثّت بتاريخ 25.4.2026، يكشف الجنبلاط أن والده كمال ساعد المخابرات المصريّة في تهريب مدير المخابرات في سوريا، المجرم عبد الحميد السراج، من الشام إلى مصر، وذلك في ليلة الانقلاب على الوحدة السورية المصرية في عام 1961. بل إن السراج بات ليلة في المختارة خلال هروبه – كما يؤكّد وليد جنبلاط ذلك مبتسمًا وربّما متفاخرًا!
السرّاج هذا كان مسؤولًا عن جرائم التعذيب الفظيعة في سوريا خلال فترة الوحدة المزعومة. وهو الذي نفّذ أوامر جمال عبد الناصر باغتيال الصحفي اللبناني كامل مروة – كما "يكشف" وليد جنبلاط.
باختصار: وليد يكشف أن والده "المعلم" كمال جنبلاط ساعد المخابرات المصرية وتستّر على مجرم هارب من سوريا (!) – وفيما بعد يقوم هذا المجرم نفسه بتنفيذ أمر اغتيال صحفي لبناني كبير! – يا سلام! شيء يرفع الرأس فعلًا يا أبا تيمور!
* والده كمال جنبلاط استغلّ الفلسطينيين لإضعاف الموارنة! *
لم يكتفِ الجنبلاط بما تقدّم، بل كشف عن فضيحة أخرى تُصيب وطنيّة ومبدئيّة والده الراحل في مقتل. من ذلك تأكيد الجنبلاط أن علاقة والده كمال مع الفلسطينيين كانت بهدف إعطاء حصة أكبر للمسلمين في النظام السياسي اللبناني (!)، ولهذا السبب التقت مصلحته مع الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان، في محاولة لتغيير الموازين (إلى هنا اقتبستُ حرفيًّا – واللهِ - ما قاله الجنبلاط في الحوار!).
أي بكلمات أخرى: لم تكن القضية الفلسطينية تهمه من أساسها، ولو كان الموريتانيون أو الأندونيسيون مكان الفلسطينيين لكان "استخدمهم" لتغيير الموازين، إذ يكفي كونُهُم "مُسلمين"! – يا سلام!
ومن المعلوم كم هي كميّات الدم التي سُفِكَت خلال الحرب الطائفية في تلك الفترة.
* ما الذي يدفع الجنبلاط إلى كشف فضائح عائلته في هذا التوقيت؟! *
.. وليد جنبلاط فضح استخدام أسرته أسلوبَ "التقيّة" طويلًا جِدًّا ضد الدروز، والذي استخدمته كما يبدو بهدف إخفاء عداوتها الخبيثة لهم، وحفاظًا على زعامتها. فبدون الدروز تتبخر هذه الزعامة الهُلاميّة.
لكن لماذا يقوم وليد جنبلاط الآن بالذّات بكشف أوراق عائلته، بدون وجل؟! – سواءٌ ما يتعلّق بزعامتهم الدخيلة المزعومة على الدروز أو بعلاقتهم مع المحيط العام؟ (والمخفي ربّما يكون أعظم!).
باعتقادي، إمًا لأنّ أساسات زعامته قد تكون تصدّعت، وقد يكون أتمّ استعداداته للفرار إلى فرنسا مثلًا (الموطن المُحبَّب على أمّه ربّما - كما كشف في اللقاء المُصوَّر معه).. أو إلى جنيف أو اسطنبول (الموطن المُحبَّب على جده لأمه شكيب أرسلان السنّي - والعثماني قبل أن ينقلب على الأتراك بعد انتهاء عهد الخلافة - وهذا حقه الكامل بالطبع فلا إكراه في الدين).. وإمّا لأنه وصل إلى قناعة تامة بأنه "ما لِجُرح بميّتٍ إيلامُ" وأن جمهوره من دروز لبنان سيقولون له مهما قال ومهما فعل: شكرًا يا بيك! (وأنا شخصيًّا أرجّح هذا الاحتمال وأرجّح أن جنبلاط يضعهم – كما يُقال باللغة الشعبيّة - في جيبه الصغير! مع أنني آمُل وأتمنّى أن تكون أيام زعامته قد أوشكت على الانتهاء).
.. الطامة الكبرى أن الجن بلاط بآلته الإعلامية المموّلة بملايين الدولارات، يستطيع أن يطيل عُمر زعامته الطفيليّة. ويستطيع أن يلفّق الوقائع، ويسوّق الباطل على أنه حق، ويقنع قطيعه بأن الجحيم موجود خارج النفق المظلم الذي يسمّنُهُم فيه! وأن يقنعهم حتّى بأن كل مقال صريح ينتقد زعامته الوهميّة مثل مقالي هذا نابع من "حقد" عليه!
مع ذلك، كُلّي أمل أن ينهض دروز لبنان، يومًا ما، نهضة رجل واحد ويلفظوا هذا الكابوس مرة واحدة وإلى الأبد، لا لشيء إلّا لكي يعودوا قومًا طبيعيّين متجانسين مع فسيفساء محيطهم، كما هم بدون مساحيق مكياج من إنتاج الجنبلاط الذي لا يملّ من إسماعهم وإقناع بعضهم بأنهم في درجة أحطّ من غيرهم، وأن عليهم السير على خطى غيرهم الأصليّة "الحقيقية" كي يندمجوا في المحيط (مثل دعوة الدروز لبدعة العودة إلى "الإسلام الحقيقي"، وقد تناولتُ ذلك في مقال منفرد سأنشره قريبًا).
* هل تناقَص عدد دروز لبنان إلى 130 ألفًا بسبب سياسة التذويب الجنبلاطية؟ *
لقد آن الأوان أن يستوعب بنو معروف في لبنان مَن هو الجنبلاط الحقيقي - كما كشف هو نفسُه بنفسه عن نفسِه في هذا اللقاء المصوّر وغيره! وأن يقوموا بما يلزم للحفاظ على ما تبقّى.
في هذا السياق أُسجّل هُنا أنّني استغربتُ حقًّا عندما ذَكَر المُحاوِر أحمد عصفور في أحد أسئلته أن عدد دروز لبنان تناقَصَ بشكل كبير وأصبح 130 ألفًا فقط! – وباعتقادي أن سبب ذلك قد يكون سياسة تذويب الدروز في المحيط العام (المُسلم أو العربي) التي انتهجتها هذه العائلة المستزعمة منذ فترة طويلة، إلى جانب إهمال الشأن العام والشبهات بالفساد والاختلاس التي تطال كل زعامات الطوائف ممّا تسبّب في نشر البطالة والفقر وهجرة عشرات آلاف الشباب بحثًا عن مصادر الرزق وعن تحقيق الذّات. وقد آن الأوان لوضع حد لذلك.
* جنبلاط المرعوب يهدر دم دروز السويداء والجليل والكرمل *
قد يقول قائل: ولماذا تتدخل أنت الدرزي من الجليل (إسرائيل) في قضايا خاصة بدروز لبنان؟
فأجيبه: عندما يتصرّف الجن بلاط وكأنّه يملك "الزعامة" على كل الدروز في العالم، ويستثمر ملايين الدولارات في حملات سنوية من أجل إبراز دوره كزعيم درزي إقليمي، إذًا فلم يعُد الأمر خاصًّا بدروز لبنان وحدهم.
الأنكى من هذا أنّك تجدُه يهدر دماء دروز إسرائيل تارةً، ودماء دروز السويداء تارةً أخرى. هذا في حين لا يوجد في سوريا أو في إسرائيل أو في أي مكان آخر في العالم مَن يدّعي الزعامة على كل الدروز، أو من يُحرّض على الدروز في بلدان أخرى (باستثناء الجنبلاط طبعًا - ربّما لأنّه مرعوب من فكرة نهاية زعامته).
أفلا يحق للدرزي من خارج لبنان أن يدافع عن أهله ضد تحريض الجنبلاط عليهم إلى درجة هدر دمهم؟! (مثل الاتهام الجنبلاطي الباطل الذي جعل شرائح واسعة تقتنع بأن الدروز متّهمون "بالعدوان" على غزّة! رغم أنهم أقلية في إسرائيل وفي الجيش الإسرائيلي الذي يخدم في صفوفه تطوّعًا جنود من كل أطياف المجتمع العربي الإسرائيلي).
هذا ليس تدخُّلًا في شؤون لبنان، بقدر ما هو دفاع وردّ على التحريض الجنبلاطي الدموي. ومن يراه تدخلًا فهو يثبت كم أنه مُستعبَد أو مُضَلَّل، وكم أن الآخرين في نظره ليس لهم رأي أو وجود، وكم أن حجته ضعيفة، وكم أنه مثير للشفقة.
فليتوقف الجنبلاط عن ادّعاء الوصاية على كلّ الدروز، وليتوقف عن التحريض على الدروز ودبّ الخلافات بينهم من أجل إطالة أمد زعامته الموهومة التي خلقتها السلطنة العثمانيّة المنقرضة، وليعلن أن زعامته المزعومة لا تخرج عن نطاق نفوذ دويلة المختارة العثمانيّة (طالما بقي قسم من دروز لبنان قابلًا بذلك)، وعندها لن يكتب عنه أحد ولن "يفطن" به أحد.
(مدينة المغار - الجليل - 28.4.2026)
تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency