هل تستدعي الانتخابات الإسرائيلية رقابة دولية؟

أمير مخول
نُشر: 13/05/26 15:11,  حُتلن: 15:12

هل تستدعي الانتخابات الإسرائيلية رقابة دولية؟
أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
افتتح الكنيست الإسرائيلي يوم 10 أيارمايو دورته الصيفة، والتي تشكل قانونيا دورته الأخيرة حيث يتم فيها حل الكنيست وتحديد موعد الانتخابات المحتمل في الخريف القادم. تعلو أصوات عديدة وجدية في السياسة الإسرائيلية تحذر من احتمالية قيام نتنياهو والمتحكم بائتلاف متماسك، بإرجاء موعد الانتخابات الى أجل غير مسمى بذريعة الوضع الأمني، مثولا لتصريحاته المتكررة منذ العام 2024، بما فيها أنه من الخطأ في الديموقراطيات الحليفة القوية للولايات المتحدة تغيير قيادات في أي وقت، وكم بالحري في زمن الحرب. المسألة ليست مصيري الشخصي بل بقاء الدولة اليهودية".
في القراءة:
بدأت الدورة وعلى جدول اعمال الكنيست سلسلة من قوانين استكمال الانقلاب القضائي الذي اعتمدته الحكومة الحالية منذ تشكيلها في كانون اول ديسمبر 1922، والتي تكشف جهارا الغاية من الانقلاب القضائي الذي يشكل أداة في خدمة سياسة وعقيدة وليس هدفا بحد ذاته. 
في حال لم ينجح نتنياهو في التهرب من الاستحقاق الانتخابي، فإنه وفقا للصحفي امير ايتنغر سيسعى الى اجرائها في تشرين اولاكتوبر القادم وذلك كي يتيح تشريع مجموعة قوانين يتقدم بها الائتلاف الحاكم ومعظمها ذات صلة بالانتخابات والهيمنة على حيثياتها بما فيه تمويل الأحزاب وشطب الأحزاب العربية وخفض عتبة الاثبات والمعقولية التي تتيح ذلك بذريعة دعم التنظيمات الإرهابية او اشخاص متورطين. فيما أن مشروع قانون تفكيك مكتب المستشار القانوني للحكومة وإلغاء اعتمادها كرقابة ذات مرجعية قانونية، والذي يبدو اجرائيا، يتيح جوهريا لائتلاف نتنياهو الاستحواذ على صلاحيات فوق القانون والتحكم المطلق بمسار الانتخابات وفي يوم الاقتراع، مسنودا بالولاء السياسي المطلق لرئيس جهاز الامن العام الذي سيتيح شطب الأحزاب العربية ومرشحين حصريين. في المقابل ارجأ نتنياهو الإجراءات التمهيدية للمصادقة على قانون إلغاء اتفاقات أوسلو بذريعة عدم التشاور المسبق مع إدارة ترامب، وهو ما كان متوقعا نظرا للثمن السياسي دوليا الذي كانت ستدفعه إسرائيل وفي مفهوم الأمن القومي.
في اليوم الثاني لدورة الكنيست (125) تصدّر جدول اعمال الكنيست قانونان الأول بإجماع قومي صهيوني والمعني بإقامة نظام محاكمة خاصة بعناصر النخبة من غزة، وعلى النقيض من الاجماع يعمق اقتراح قانون اخر الصدع الإسرائيلي العميق أصلا حول مسألة اعفاء المتدينين الحريديم من الخدمة العسكرية، والذي تهدد الأحزاب الحريدية بحل الكنيست وتبكير موعد الانتخابات الى أيلول سبتمبر القادم بدلا من أكتوبر. رغم ان الفجوة الزمنية قليلة لكن التبكير يحدّ من إمكانيات التشريع في قضايا أخرى قبل انقضاء المهلة القانونية لذلك. لكن نتنياهو لا يزال يملك القدرة على المناورة في هذا الصدد. لو واصلت الأحزاب الحريدية الثبات على موقفها فإنها ستحول دون استكمال التشريعات. لقد باتت الأحزاب الحريدية الاشكنازية تدرك ان المسعى الحاكم هو ارجاء طرح قانون اعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، لكنها بدورها تناور كما حزب شاس من اجل جني مكاسب لها. 
تتميز الدورة الحالية للكنيست بكونها دورة ما بعد الانقلاب القضائي المكثف الذي بدأ مع تشكل الحكومة الحالية. معنى "ما بعد الانقلاب القضائي" هو ان الكنيست بأغلبية 68 عضوا من أصل 120، سوف يشرع قوانين جديدة موجهة أساسا لصالح بقائه في الحكم بشكل قسري وحتى غير قانوني لكن بأدوات برلمانية.
خيارات نتنياهو:
في المقابل تكثر التقديرات بأن نتنياهو قد يقدم على ارجاء الانتخابات بذريعة الوضع الأمني وحتى افتعال حرب كما يحذر ايهود براك رئيس الوزراء الأسبق، وفي حال جرت ستكون الأكثر استقطابا منذ قيام دولة إسرائيل، فيما تدفعها التصدعات القائمة الى الأكثر عنفاً. وتتصاعد التخوفات في هذا الصدد نتيجة لتصريحاته منذ الانتخابات السابقة وحصريا منذ اخفاق السابع من تشرين اول أكتوبر 2023 والحرب على غزة ومتعددة الجبهات.  ففي مؤتمره الصحفي (2152025) رفض نتنياهو الالتزام بإجراء الانتخابات في موعدها القانوني (102026) في حال تواصلت الحرب. بينما يسعى نتنياهو الى اعلان موعد رسمي للانتخابات في أواخر أكتوبر القادم، فإن غايته هي استكمال انجاز كل التشريعات التي تتيح له التحكم بمستقبل النظام السياسي الإسرائيلي بمجمله. كما ان تحديد موعد الانخابات لا يحد من احتمالية الغائها كما أشرنا سابقا. كما يسبغ نتنياهو على بقائه في السلطة بُعدا عقائديا يبنيه على اجماع قومي صهيوني بقوله امام معهد "الحرية والمسؤولية" في جامعة رايخمان "أنا الوحيد الذي سيمنع إقامة دولة فلسطينية في غزة ويهودا والسامرة بعد الحرب." فعليا هذا أحد اهم اهداف الانقلاب القضائي.
هل يتنحى نتنياهو وهل يكترث لمصير الليكود؟
يبقى احتمال وارد باعتزال نتنياهو للحياة السياسية نتيجةً لوضعه الصحي الامر الذي بدأ يشعل حرب الورثة داخل حزبه الليكود. الا انه ليس بالضرورة سيكون مكترثا الى مصير الليكود من بعده وكما حصل حين خسر الانتخابات عام 1999 لصالح ايهود براك وترك الليكود محطَّما واعتزل الحياة السياسية لعدة سنوات، بينما فرصة الاعتزال المؤقت غير واردة نظرا لسنّه المتقدم وللمتغيرات العميقة المتوقعة في السياسة الإسرائيلية في السنوات الثلاث الأخيرة.
لا تزال تطرح العديد من التساؤلات الجوهرية في هذا الصدد بحيث تشير الأجواء الى احتمالية اسقاط نتنياهو وحكومته لصالح حكومة من اليمين الوسط او حكومة وحدة قومية صهيونية او عدم تمكن أي طرف من تشكيل ائتلاف حاكم وعندها ستبقى الحكومة الحالية بصفتها حكومة تصريف اعمال الى حين اجراء انتخابات جديدة وقد تتكرر في حال لم يحصل أي حسم نتيجة للانقسام الإسرائيلي العميق. حكومة تصريف اعمال قد تكون الأكثر خطورة في الظرف القائم لكونها ستكون محررة من الرقابة البرلمانية التي لم تثبت نفسها خلال السنوات الأربع الأخيرة. احتمالية أخرى قد تكون ذات صلة بملفات نتنياهو القضائية وتوجهه نحو صفقة قضائية تلغي الملفات مقابل اعتزاله الحياة السياسية. في حال حصل هذا سيكون فعليا مؤشرا لسقوط كتلة اليمين برمتها لكن من الكنيست والحكومة وليس على مستوى الراي العام الإسرائيلي، وقد يدفع الامر الى تشكيل حكومة وحدة قومية صهيونية بمشاركة الليكود ومن دون الحريديم وزأقصى اليمين، والى حين انتخابات قادمة.
تيار الصهيونية الدينية
احد المؤشرات لاعتبار هذا التيار لذاته بأنه يخضع لقانون "رباني" قبل قوانين الدولة وبأنه في خضم تطبيق خطة الحسم تجاه كل الفلسطينيين،  كان التقرير الذي اعده الإعلامي البارز أوهاد حمو للقناة 12 عن تنظيم فتيان التلال وطرد السكان الفلسطينيين في الضفة،(القناة 12 يوم 1152026) أشار احد القادة السابقين للتنظيم الإرهابي بأنه بخلاف الفترة ما قبل الحكومة الحالية درج أعضاء التنظيم بوضع الأقنعة على وجوههم كي لا تعرف هويتهم، بينما في ظل الحكومة الحالية يقومون بإزالة أية أقنعة ويتباهون بإظهار هويتهم، بل ويلتقطون بأنفسهم الصور والفيديوهات وهم يقومون بتهجير العائلات والتجمعات الفلسطينية. يأتي هذا التقليد امتدادا لتقليد قديم وحصريا من العام 1948 في ترويج الحركة الصهيونية لمجزة دير ياسين من 9 نيسان ابريل بهدف ترويع البلدات والمدن الفلسطينية الأخرى سعيا لتسهيل عملية تهجيرها كما حدث في يافا وحيفا. 
ليس فقط أقنعة الوجوه قد أزيلت، بل أيضا أقنعة المواقف والمجاهرة بعمليات القتل والترويع والحرق والتهجير، اذا يقول احدهم علنا بأن مرجعيته هي التوراة وأنها تمنح ارض إسرائيل لليهود. وهذا له أولوية على القانون الإسرائيلي، ثم يضيف "لا يوجد أبرياء، بل حقيقة وجودهم هنا تعني انهم غير أبرياء" ويحق قتلهم بما فيه طفل رضيع. يعزو المتحدث هذا "الإنجاز" الى سموتريتش وبن غفير باعتبارهما يقودان تغييرا جذريا لا عودة عنه. مثل هذا الترهيب هو مؤشر لما قد تشهده الانتخابات أيضا تجاه الجماهير العربية الفلسطينية في الداخل وحتى تجاه قوى معارضة إسرائيلية.
اللافت أيضا ان هذا التيار يشهد تصدّعا داخليا الى تيارين استيطانيين إحلاليّين ثانويين؛ واحد يسعى الى تطبيق خطة الحسم بأسرع وتيرة ممكنة وبكل العنف الإرهابي، واخر يرى أن الامر يخضع لسياسات الدولة ويتهم التنظيم الإرهابي فتيان التلال بالخروج عن اليهودية الحقيقية. فيما قد يدفع هذا التصدع الى انقسام سياسي يطيح بسموتريتش.
 
الأحزاب العربية 
الموقف السائد بين الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل وعددهم نحو المليونين، هو أن التهديد الذي يتعرضون له هو نتاج خطر وجودي سياسياً وسكانيا وجغرافيا - وحصريا في النقب. اصطفاف الأحزاب العربية المعنية في قائمة مشتركة يشكّل أداة حماية إضافية لهذا الجمهور.
الاصطفافات داخل المعارضة والتشكلات الجديدة والنقاش حول السؤال ما هو أفضل للمعارضة الصهيونية خوض الانتخابات بكتلتين او ثلاثة، قد يؤثر على نمط التفكير السياسي للفلسطينيين العرب في مسألة الجدوى الانتخابية، وهناك قوى سياسية محلية وخارجية تؤثر في هذا الصدد. بينما الموقف السائد حاليا بين هذا الجمهور هو قائمة عربية مشتركة تخوض الانتخابات لتحصل على اكبر كتلة ممكنة عدديا، اخذين بالحسبان احتمالية شطب أحزاب من ضمنها وهو ما تتيحه الحالة الإسرائيلية ذهنياً وقانونيا بعد التغيير الاعتباطي للقوانين ذات الصلة. الا ان النقاش الإسرائيلي العام وحصريا المعارضة من شأنه ان يؤثر على سعة الموقف السياسي العربي الداخلي من القائمة المشتركة، التي ليس من المضمون ان تتشكل.
قبل ان تتمحور الأحزاب العربية في سؤال القائمة المشتركة وتشكلها، فإن نقطة الانطلاق هي الخطر الوجودي سياسيا وسكانيا، كما هو حاصل في جغرافيتنا داخل "الخط الأخطر" وهو ما بدأ في غزة وتحوّل الى سياسة منهجية حاكمة في الضفة الغربية والقدس. 
الأداة الأهم للتطهير العرقي السياسي والسكاني الحاصل اليوم بشكل حصري في النقب، هي حكومة نتنياهو- سموتريتش- بن غفير، والهوية الجديدة لمنظومات الدولة وحصريا الشرطة وجهاز الامن العام بعد أن تم تطويعها على أساس الولاء السياسي لا القانوني الرسمي. كما لا توجد بدائل سياسية متبلورة ووازنة ذات افق سياسي تطرحه على المجتمع الإسرائيلي اليهودي. فيما يسود الاعتقاد والتقدير بأن اية حكومة أخرى سيكون من الأسهل التعاطي معها ومواجهتها في حال كانت من دون أقصى اليمين المسيطر من خلال وزاراته على مفاتيح القرار المتعلقة بالدخل الفلسطيني وبالضفة والقدس وغزة.
في الخلاصة؛ 
باتت المطالبة برقابة دولية على انتخابات الكنيست مسألة ملحّة كما لم تكن يوما. فعليا فإن الوضع الحالي حيث يعتبر الائتلاف الحاكم نفسه فوق القانون ومسنودا بأحكام توراتية او دينية فقهية، ترى في أولوية ارض إسرائيل الكبرى للشعب اليهودي، مقارنة بأولوية القانون، والإبقاء على حكمه بكل الوسائل للحفاظ على هذا العهد الصهيوني ديني والبقاء في الحكم من اجله، يتطلب رقابة دولية سواء على القوانين والتشريعات الحالية وعلى الانتخابات وحصريا مساعي شطب الأحزاب العربية والتشويش في يوم الاقتراع. 
اشراك السفارات الأجنبية بما فيها الأوروبية المرتبطة دولها باسرائيل باتفاقية الشراكة الملزمة هي أداة ضغط ورقابة فيما لو أحسن استخدامها، وكذلك مجموعة الدول الغنية والمتطورة OECD التي تتدخل في مثل هذه المسائل وفي الفجوات وفي منالية الحقوق للمجموعات المختلفة في الدول الأعضاء، هذا بالإضافة الى لجان الأمم المتحدة الحقوقية وحصريا لجنة تقصي الحقائق الدائمة التي أعلنها مجلس حقوق الانسان في أيارمايو 2021 والتي يتضمن نطاق تحقيقاتها الفلسطينيين مواطني إسرائيل.
الانتخابات الإسرائيلية هي ابعد من شأن إسرائيلي داخلي لان جدول اعمالها يتضمن شطب قضية فلسطين والتهجير والتطهير العرقي في كل الجغرافيا الفلسطينية، ومنع قيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع بالإضافة الى الضم والتهويد وفقا لمفاهيم خطة الحسم الصهيودينية من العام 2017. كما تؤثر مباشرة على مستقبل الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة وعلى إنفاذ القانون الدولي.
التهديد الذي يتعرض له الفلسطينيون مواطني اسرائيل وعددهم نحو المليونين، هو خطر وجودي سكانيا وجغرافيا  - وحصريا في النقب – وسياسيا. اصطفاف الأحزاب العربية المعنية في قائمة مشتركة يشكّل أداة حماية إضافية لهذا الجمهور.
الاصطفافات داخل المعارضة والتشكلات الجديدة والنقاش هل افضل للمعارضة الصهيونية خوض الانتخابات بكتلتين او ثلاثة، قد يؤثر على نمط التفكير السياسي للفلسطينيين العرب في مسألة الجدوى الانتخابية، وهناك قوى سياسية محلية وخارجية تؤثر في هذا الصدد. بينما الموقف السائد حاليا بين هذا الجمهور هو قائمة عربية مشتركة تخوض الانتخابات لتحصل على اكبر كتلة ممكنة عدديا، اخذين بالحسبان احتمالية شطب أحزاب من ضمنها وهو ما تتيحه الحالة الإسرائيلية ذهنياً وقانونيا بعد التغيير الاعتباطي للقوانين ذات الصلة.
مصير نتنياهو السياسي لا يزال عاملا مؤثرا وبقوة وقد يكون حاسما. ففي حال قرر التنحي فعندها من المحتمل تفكك معسكري اقصى اليمين وتراجع قوته، وفي حال حسم نتنياهو لصالح بقائه السياسي وربط مصير إسرائيل بمصيره السياسي الشخصي، فعندها ستكون كل الاحتمالات قائمة للتلاعب بالانتخابات وبعملية الاقتراع  وحتى بتأجيل الانتخابات بذريعة الوضع الأمني.


 

تابع كل العرب وإبق على حتلنة من كل جديد: مجموعة تلجرام >> t.me/alarabemergency للإنضمام الى مجموعة الأخبار عبر واتساب >> bit.ly/3AG8ibK تابع كل العرب عبر انستجرام >> t.me/alarabemergency

مقالات متعلقة